واعلم أنه سبحانه وتعالى أكد تحريم الخمر والميسر في هذه الآية بأن صدّر الجملة بإنما ، وقرنهما بالأصنام والأزلام ، وسماهما رجسا وجعلهما من عمل الشيطان تنبيها على أنّ الاشتغال بهما شرّ بحت أو غالب ، وأمر بالاجتناب عن عينهما وجعله سببا يرجى منه الفلاح ، ثم قرّر ذلك بأن بين ما فيهما من المفاسد الدينية والدنيوية المقتضية للتحريم فقال تعالى :
إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ
وإنما خصهما بإعادة الذكر ، وشرح ما فيهما من الوبال تنبيها على أنهما المقصود بالبيان ، وذكر الأنصاب والأزلام للدلالة على أنهما مثلهما في الحرمة والشرارة لقوله عليه الصلاة والسّلام : « شارب الخمر كعابد الوثن » وخص الصلاة من الذكر بالإفراد للتعظيم ، والإشعار من حيث إنها عماده ، والفارق بينه ، وبين الكفر ، ثم أعاد الحث على
شرح
على التعاطي المقدّر ، وجوّز عوده إلى الشيطان ، وهو قريب ، وقوله : لكي تفلحوا مرّ تحقيقه في أوّل البقرة فتذكره . قوله : ( أكد تحريم الخمر والميسر الخ ) وجه التأكيد المذكور ظاهر لأنهم كانوا متردّدين في التحريم بعد نزول آية البقرة ولذا قال عمر رضي اللّه تعالى عنه اللهم بين لنا فيها بيانا شافيا فلما نزلت هذه ، وسمع فهل أنتم منتهون قال انتهينا يا رب وبحت بموحدة مفتوحة ، وحاء مهملة ساكنة ، وتاء مثناة بمعنى خالص أي لا خير فيه أصلا أو الغالب عليه عدم الخير ، والأمر بالاجتناب عن عينهما أي لا عن شربها ، وفعله باعتبار الظاهر واحد الوجوه ، وإلا فإذا رجع الضمير إلى التعاطي لا يكون كذلك . قوله : ( وجعله سببا يرجى منه الفلاح ) ضمير جعله للاجتناب والسببية من لعل لأنها بمعنى كي ووجه المبالغة فيه باعتبار ظاهر الترجي وإفادته أنه ذنب عظيم بعد ارتكابه لا يقطع بالفلاح بمجرّد الإقلاع عنه بل يرجى له ذلك . قوله : ( وإنما خصهما بإعادة الذكر ) أي الخمر والميسر هما المقصودان لأنهما هما اللذان صدرا منهم كما قال تعالى :يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ[ سورة البقرة ، الآية : 219 ] الآية ، وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « شارب الخمر كعابد الوثن » « 1 » حديث رواه الترمذي بلفظ مد من الخمر وحمل على المستحل ، ولا حاجة إليه ، وهذا دليل على بعض المدعي أو جعل الأزلام بمنزلة الوثن ، وهو بعيد وقيل إنهما لم يخصا بالذكر لأنّ معنى يصدّكم عن ذكر اللّه بعبادة غيره ، وهي الأنصاب وعن الصلاة بالاشتغال بالأزلام وهو تقدير من غير دليل ، والشرارة بكسر الشين المعجمة الشر . قوله : ( وخص الصلاة من الذكر بالإفراد الخ ) لأن ما يصدّ عن ذكره يصدّ عنها لأنّ الذكر من أركانها فأفردت بالذكر تعظيما لها كما في ذكر الخاص بعد العام . قوله :
( والإشعار بأنّ الصادّ عنها كالصادّ عن الإيمان الخ ) كأنّ وجهه أنّ الأوّل بيان لتعظيمها في ذاتها ،
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد 1 / 272 عن ابن المنكدر قال : حدّثت عن ابن عباس . . فذكره مرفوعا ، قال الهيثمي في « المجمع » 5 / 74 : رجال أحمد الصحيح إلا أن ابن المنكدر قال : « حدّثت » اه وهكذا قال المنذري في « الترغيب » 3480 . وأخرجه ابن حبان 5347 من وجه آخر عن ابن عباس مرفوعا وفيه عبد اللّه بن خراش ، وهو ضعيف ، ولعل الوقف فيه على ابن عباس وأرجح ، واللّه أعلم .