الآية ناهية عن تحريم ما أحل وتحليل ما حرّم داعية إلى القصد بينهما روي أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وصف القيامة لأصحابه يوما ، وبالغ في إنذارهم فرقوا ، واجتمعوا في بيت عثمان بن مظعون ، واتفقوا على أن لا يزالوا صائمين قائمين ، وأن لا يناموا على الفرش ، ولا يأكلوا اللحم والودك ، ولا يقربوا النساء الطيب ، ويرفضوا الدنيا ، ويلبسوا المسوح ، ويسيحوا في الأرض ، ويجبوا مذاكيرهم ، فبلغ ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . فقال لهم : « إني لم أؤمر بذلك إنّ لأنفسكم عليكم حقا فصوموا وافطروا وقوموا وناموا ، فإني أقوم وأنام ، وأصوم وأفطر ، وآكل اللحم والدسم ، وآتي النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني » فنزلت
وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً
أي كلوا ما حل لكم وطاب مما رزقكم اللّه فيكون حلالا مفعول كلوا ومما حال منه تقدمت عليه لأنه نكرة ، ويجوز أن تكون من ابتدائية متعلقة بكلوا ويجوز أن تكون مفعولا وحلالا حال من الموصول ، والعائد المحذوف ، أو صفة لمصدر
شرح
والمراد بتحليله تعاطيه أو اعتقاد حله وفيه تأمل . قوله : ( داعية إلى القصد ) أي الاعتدال ، وعدم الإسراف إشارة إلى درج المعنى الآخر في النظم . قوله : ( روي أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الخ ) هذا الحديث « 1 » رواه ابن جرير والواحدي في أسباب النزول عن مجاهد وعكرمة والسدي ، وله شاهد في الصحيحين « 2 » من حديث وقع بمعناه ورقوا بمعنى رقت قلوبهم من خشية اللّه وهو ضد القسوة ، وعثمان بن مظعون بظاء معجمة ، وعين مهملة صحابيّ يكنى أبا السائب جمحيّ أسلم بعد ثلاثة عشر رجلا ، وهاجر الهجرتين ، وشهد بدرا وهو أول من مات من المهاجرين بالمدينة على رأس ثلاثين شهرا من الهجرة ، وقيل بعد اثنين ، وعشرين شهرا منها ، ودفن بالبقيع رضي اللّه عنه ، وفي كلام بعضهم ، والذي رواه المحدثون أنّ عثمان بن مظعون ، وعليا وأبا ذر رضي اللّه عنهم هموا بأن يختصوا ويقتتلوا فنهاهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن ذلك ونزل فيهم الآية الآتية :لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواوالذي ذكره منتزع من عدة أحاديث ، وأصله في الصحيحين ، والودك بفتح الواو ، والدال المهملة ، والكاف الشحم والمسوح جمع مسح ، وهو اللباس أي الغليظ من الملابس ، والسياحة في الأرض عدم التوطن ، والقرار والمدّ أكبر جمع ذكر على خلاف القياس للفرق بينه ، وبين جمع الذكر ضد الأنثى ، وقيل لا واحد له كعباديد وتتمة الحديث بمعنى ما ورد فيه لا رهبانية في الدين . قوله : ( كلوا ما حل لكم وطاب الخ ) إشارة إلى أنه إذا كان مفعولا يكون صفة للمأكول كما هو الشائع فيه فهو بمعنى ما حل لا
هامش
( 1 ) أخرجه الطبري 12348 عن قتادة مرسلا وكرره 12349 عن السدي مرسلا أيضا وله وجوه أخر بألفاظ متقارة .
( 2 ) أخرجه البخاري 4615 و 5075 ومسلم 1404 بمعناه من حديث ابن مسعود مختصرا . وقد ورد عن جماعة من الصحابة ، فقد أخرجه البخاري 5063 ومسلم 1401 والنسائي 6 / 60 وابن حبان 14 وأحمد 3 / 241 - 259 من حديث أنس .