كانت من كافر
وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ
عطف على لا يستكبرون وهو بيان لرقة قلوبهم وشدّة خشيتهم ومسارعتهم إلى قبول الحق ، وعدم تأبيهم عنه ، والفيض انصباب عن امتلاء فوضع موضع الامتلاء للمبالغة ، أو جعلت أعينهم من فرط البكاء كأنها تفيض بأنفسها
مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ
من الأولى للابتداء والثانية لتبيين ما عرفوا ، أو للتبعيض فإنه بعض الحق والمعنى أنهم عرفوا بعض الحق فأبكاهم فكيف إذا
شرح
الشر إلى من خالف دينهم بأيّ طريق كان من القتل ، وغيره وهو عند النصارى حرام ، ولذا ورد في الحديث : « ما خلا يهودي بمسلم إلا همّ بقتله » « 1 » . قوله : ( والفيض انصباب عن امتلاء الخ ) يعني معناه تمتلئ من الدمع حتى تفيض لأنّ الفيض أن يمتلئ الإناء حتى يسيل ما فيه عن جوانبه فوضع الفيض موضع الامتلاء بإقامة السبب مقام المسبب أو قصد المبالغة فجعلت أعينهم بأنفسها تفيض من أجل البكاء ، والدمع يكون مصدر دمعت العين واسما لما يسيل منها ، وفي الانتصاف أنّ هنا ثلاث اعتبارات أبلغها هذه .
فالأولى : فاض دمع عينه ، وهي الأصل .
والثانية : فاضت عينه دمعا حوّل الإسناد إلى العين مجازا ، ومبالغة ثم نبه على الأصل ، والحقيقة بنصب ما كان فاعلا على التمييز ، والثالثة فيها هذا التحويل ، وإبراز التمييز في صورة التعليل كما نحن فيه ، وهو أبلغ لبعده عن الأصل ، وعدم ذكر الفاعل فيه ، ومن تعليلية ، وقيل أراد أن الدمع على الأوّل هو الماء المخصوص ، وعلى الثاني الحدث ، وهو على الأول مبدأ مادي ، وعلى الثاني سببيّ ، وقد جوّز في سورة براءة في قوله تعالى :تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناًأن يكون من الدمع بيانا كقوله أفديك من رجل ، وإن كان الأكثر في هذا القسم من البيان أن يأتي منكرا اه .
وما ذهب إليه ثمة من كون من بيانية ، وأنها التي تدخل على التمييز مردود ، وإن كان الكوفيون ذهبوا إلى جواز تعريف التمييز ، وأنه لا يشترط تنكيره كما هو مذهب الجمهور لأنّ التمييز المنقول عن الفاعل يمتنع دخول من عليه ، وإن كانت مقدّرة معه فلا يجوز تفقأ زيد من شحم فامتنع أن يكون تمييزا ، وما ذهب إليه الزمخشري ثمّة مخالف لكلامهم كما في الدر المصون فلا يصح قياسه على المثل الذي ذكره لأنه مفعول ، وسيأتي بيانه في محله . قوله :
( من الأولى للابتداء والثانية لتبيين ما عرفوا الخ ) أي من الأولى لابتداء الغاية ، والثانية تحتمل البيانية ، والتبعيضية كما قال الزمخشريّ : الأولى لابتداء الغاية على أنّ فيض الدمع ابتدأ ونشأ
هامش
( 1 ) أخرجه ابن حبان في « المجروحين » 3 / 122 والديلمي 6340 والثعلبي كما في « المقاصد الحسنة » 957 من حديث أبي هريرة . وإسناده ضعيف جدا . قال ابن حبان : يحيى بن عبيد اللّه بن موهب يروي عن أبيه ما لا أصل له ، وأسنده الخطيب 8 / 316 من وجه آخر بسند فيه مجاهيل ، وقال : غريب جدا .
وكذا استغربه ابن كثير 2 / 111 جدا .