والسّلام
كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ
ويفتقران إليه افتقار الحيوانات بين أولا أقصى مالهما من الكمال ، ودل على أنه لا يوجب لهما ألوهية ، لأنّ كثيرا من الناس يشاركهما في مثله ، ثم نبه على نقصهما وذكر ما ينافي الربوبية ، ويقتضي أن يكونا من عداد المركبات الكائنة الفاسدة ، ثم عجب ممن يدّعي الربوبية لهما مع أمثال هذه الأدلة الظاهرة فقال
انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ
كيف يصرفون عن استماع الحق ، ووتأمّله وثم لتفاوت ما بين العجبين أي أنّ بياننا للآيات عجب ، وإعراضهم عنها أعجب
قُلْ أَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً
يعني عيسى عليه الصلاة والسّلام ، وهو وإن ملك ذلك بتمليك اللّه سبحانه وتعالى إياه لا يملكه من ذاته ، ولا يملك مثل ما يضر اللّه تعالى به من البلايا والمصائب ، وما ينفع به من الصحة والسعة ، وإنما قال ما نظرا إلى ما هو عليه في ذاته توطئة لنفي القدرة عنه رأسا وتنبيها على أنه من هذا الجنس ، ومن كان له حقيقة يقبل المجانسة والمشاركة فبمعزل عن الألوهية وإنما قدّم الضر ، لأنّ التحرّز عنه أهم من تحري النفع
وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
بالأقوال والعقائد فيجازي عليها إن خيرا ، فخيرا وإن شرا فشرا
قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ
شرح
حد قوله تعالى :عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ[ سورة التوبة ، الآية : 43 ] حيث قدّم العفو على المعاتبة له صلّى اللّه عليه وسلّم وكونهما من عداد المركبات مأخوذ من التغذي الذي يتولد منه الأخلاط التي يتركب منها البدن ومنها قوامه ، والكائنة بمعنى المحدثة ، والفاسدة بمعنى الفانية لأنّ الفناء بفساد التركيب ، ومنه قولهم عالم الكون والفساد ، وقوله : ثم عجب أي بين ما يتعجب منه الناظر لحالهم ، والواقف عليها فإن المراد من الأمر بالنظر التعجب كما تقول انظر إلى زيد يسير إليّ مع إحسانه . قوله : ( كيف يصرفون عن استماع الحق الخ ) يعني أني هنا بمعنى كيف ، ويؤفكون بمعنى يصرفون . قوله : ( وثم لتفاوت ما بين العجبين الخ ) ويصح أن يكون لبيان استمرار زمان بيان الآيات وامتداده . قوله : ( يعني عيسى عليه الصلاة والسّلام وهو وإن ملك الخ ) محصله أنّ معنى الآية أتعبدون شيئا لا يستطيع مثل ما يستطيعه اللّه أو شيئا لا استطاعة له أصلا لأنّ كل ما يستطيعه البشر بإيجاد اللّه ، وإقداره عليه ، وهو جواب لما يقال كيف يكون المراد بما لا يملك عيسى صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهو ضارّ لهم نافع بإحياء الموتى ، وغيره فأجاب بأن ضره ، ونفعه كالإبراء ، والأحياء بأمر اللّه ، وتقديره على أنه ليس كضر اللّه ، ونفعه فلا وجه للاستدلال به على مدعاهم ولا ينافي نفيه فإنّ الملك ، والاستطاعة بالذات أو الفرد العظيم منهما المخصوص باللّه فعلى الأوّل النفع والضرّ على عمومه والتأويل في نفيه ، وعلى الثاني مخصوص ، ولا تأويل في نفيه عنه . قوله : ( نظرا إلى ما هو عليه في ذاته الخ ) يعني المراد بما عيسى ، وأمه فكان الظاهر من فأشار إلى أنه في أوّل أمره كان نطفة ، ومضغة لا يعقل ، وهو بعد ذلك لا عقل له في ذاته لو لم يخلق اللّه فيه القوّة العاقلة ، وعبر به لأنه نفي عنه بعدها القدرة على الضر ، والنفع لأنّ معنى يملك يستطيع ، ويقدر فذكرت ما توطئة له ومناسبة معه ،