وعدلوا عن طريق الحق ، وهو يحتمل أن يكون تمام كلام عيسى عليه الصلاة والسّلام ، وأن يكون من كلام اللّه تعالى نبه به على أنهم قالوا ذلك تعظيما لعيسى صلّى اللّه عليه وسلّم ، وتقربا إليه ، وهو معاديهم بذلك ومخاصمهم فيه فما ظنك بغيره
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ
أي أحد ثلاثة ، وهو حكاية عما قاله النسطورية والملكانية منهم القائلون بالأقانيم الثلاثة ، وما سبق قول اليعقوبية القائلين بالاتحاد
وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ
وما في الموجودات واجب مستحق للعبادة من حيث إنه مبدأ جميع الموجودات إلا إله واحد موصوف بالوحدانية متعال عن قبول الشركة ، ومن مزيدة للاستغراق
وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ
ولم يوحدوا
لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
أي ليمسنّ الذين بقوا منهم على الكفر ، أو ليمسنّ الذين كفروا من النصارى وضعه موضع ليمسنهم تكريرا
شرح
فكيف ينصرهم الواحد منهم ، ونقل عن الزمخشريّ أنه بناء على زعمهم أنّ لهم أنصارا كثيرة فنفي ذلك تهكما بهم ، وقيل إنه من مقابلة الجمع بالجمع ، وإذا كان من كلام عيسى صلّى اللّه عليه وسلّم وضع فيه الظاهر موضع ضمير الخطاب كما في الكشاف ، وعليه أيضا فالمعنى لا ينصرهم بل يعاديهم فكيف غيره ، وليس معناه كما قيل إنّ تعظيم عيسى صلّى اللّه عليه وسلّم صار سببا لكونهم ظالمين لا ناصر لهم فما حال من عظم مخلوقا نازل الدرجة . قوله : ( وهو حكاية عما قاله النسطورية الخ ) قد مر الكلام في معنى الأقانيم ، وإنّ منهم من قال بتجسمها ، وهو الظاهر من كلام المصنف رحمه اللّه ، وقوله : وما سبق أي قوله إنّ اللّه هو المسيح . قوله : ( وما في الموجودات واجب مستحق للعبادة الخ ) أي ما من إله إلا وهو موصوف بالوحدة إذ التعدد يستلزم انتفاء الألوهية كما ثبت ببرهان التمانع فإذا نافى مطلق التعدد فما ظنك بالتثليث وقوله : ( ومن حيث إنه مبدأ جميع الموجودات ) تعليل لا تقييد لأنّ قيد الحيثية يستعمل للتعليل والتقييد والإطلاق كالإنسان من حيث هو إنسان قابل للعلم ، وصنعة الكتابة فلا يرد عليه إنه تعالى مستحق للعبادة استحقاقا ذاتيا فالأولى ترك هذا القيد ، وقوله متعال عن قبول الشركة إشارة إلى حصر الوحدة فيه على أبلغ وجه يفيد عدم قبوله للشركة فكما انتفى وجود الشركة انتفى إمكانها أيضا ، وقوله ومن مزيدة للاستغراق قالوا في وجهه لأنها في الأصل من الابتدائية حذف مقابلها إشارة إلى عدم التناهي فاصل لا رجل لا من رجل إلى ما لا نهاية له ، وبني اسمها لتضمن من لأنها الدالة على العموم كما ذهب إليه السكاكي قيل لو كان تقدير من يقتضي البناء بني المضاف وردّ بأنه فرق بين تقدير حرف ، وتضمن معناه . قوله : ( وإن لم ينتهوا عما يقولون ولم يوحدوا ) ما قالوا هو التثليث ، ونحوه من الكفر ، والانتهاء له معنيان قبول النهي والفراغ ، وبلوغ النهاية وعليهما فمعناه إن لم يرجعوا عما هم عليه إلى خلافه ، وهو التوحيد والإيمان . قوله : ( أي ليمسنّ الذين بقوا منهم على الكفر ) يعني أنّ هذا إمّا من وضع الظاهر موضع المضمر فالمراد بالذين كفروا النصارى ، ومن بيانية أوليس منه ، والذين كفروا بمعنى الثابتين على الكفر فمن تبعيضية فقوله وضعه موضع الخ مبني على الثاني ، وقدم الأوّل لعدم مخالفته لمقتضى الظاهر . قوله : ( تكريرا