وتعالى بعصمة روحه صلّى اللّه عليه وسلّم من تعرّض الأعادي ، وإزاحة لمعاذيره
إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ
لا يمكنهم مما يريدون بك وعن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بعثني اللّه برسالته فضقت بها ذرعا ، فأوحى اللّه تعالى إليّ إن لم تبلغ رسالتي عذبتك وضمن لي العصمة ، فقويت . وعن أنس رضي اللّه تعالى عنه كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يحرس حتى نزلت . فأخرج رأسه من قبة أدم فقال :
« انصرفوا أيها الناس ، فقد عصمني اللّه من الناس » وظاهر الآية يوجب تبليغ كل ما أنزل ، ولعل المراد بتبليغ ما يتعلق به مصالح العباد ، وقصد بإنزاله اطلاعهم عليه ، فإن من الأسرار الإلهية ما يحرم إفشاؤه
قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ
أي دين يعتدّ به ، ويصح أن يسمى شيئا لأنه باطل
حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ
ومن إقامتها الإيمان بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، والإذعان لحكمه ، فإن الكتاب الإلهية بأسرها آمرة بالإيمان بمن صدّقته المعجزة ناطقة بوجوب الطاعة له ، والمراد إقامة أصولها ، وما لم ينسخ من فروعها
وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ
فلا تحزن عليهم لزيادة طغيانهم وكفرهم بما تبلغه إليهم ، فإنّ ضرر ذلك لا حق بهم لا يتخطاهم وفي المؤمنين مندوحة لك عنهم
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى
شرح
وأجيب بأنه ضمن له العصمة بسبب تبليغ الوحي فلا يمنع عنه بقتل ونحوه ، وأما ما فعل به صلّى اللّه عليه وسلّم وبالأنبياء عليهم الصلاة والسّلام فللذب عن الأموال ، والبلاد ، والأنفس ، ولا يخفى بعده قال الراغب رحمه اللّه تعالى : عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام ، حفظهم بما خصوا به من صفاء الجواهر ثم بما أولاهم من الأخلاق والفضائل ، ثم بالنصرة وتثبيت أقدامهم ثم بإنزال السكينة عليهم ، وبحفظ قلوبهم ، وبالتوفيق وقوله : ( وعن أنس رضي اللّه تعالى عنه ) قالوا هذا الحديث « 1 » أخرجه الترمذي ، والبيهقي وغيرها عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها ، وعن أبي سعيد الخدري رضي اللّه تعالى عنه ، ولم يسنده أحد عن أنس رضي اللّه تعالى عنه وأدم بهمزة ودال مهملة مفتوحتين بلا مدّ وميم اسم جمع لا ديم ، وهو الجلد المدبوغ وقوله : ( ولعل المراد الخ ) مر بيانه ، وإفشاؤه نشره ، وإظهاره . قوله : ( حتى تقيموا التورية الخ ) قد سمعت معنى الإقامة عن قريب ، وقوله : ناطقة بوجوب الطاعة له أي إذا بعت إليهم وهذا يعلم من الطاعة فإنها تقتضي أمره لهم وهو لا يأمر من لم يبعث إليه فلا يقال إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قد يبعث لقومه فقط كما ورد في الحديث فكيف تجب على غيرهم طاعته ، وفسر تأس بتحزن ، وتتأسف ، وأشار بقوله :
( فإن ضرر الخ ) إلى أنّ سبب الحزن خوف الضرر والمندوحة السعة ، والمراد بها هنا الغني عنهم . قوله : ( والصابؤون رفع على الابتداء وخبره محذوف الخ ) يعني الخبر المذكور خبر إن ، والصابئون مبتدأ خبره محذوف لدلالة الخبر الأول عليه فيكون حينئذ في نية التأخير ، والتقدير
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي 3046 و 3756 والواحدي 404 من حديث عائشة ، وهو عند البخاري 2885 ومسلم 410 مع اختلاف يسير فيه .
وورد من حديث أبي سعيد أخرجه الواحدي 403 وإسناده ضعيف لضعف عطية العوفي .