لبئس ما كانوا يعملون من حيث إنّ الصنع عمل الإنسان بعد تدرّب فيه وتروّ وتحرّي إجادة ، ولذلك ذم به خواصهم ولأنّ ترك الحسبة أقبح من مواقعة المعصية ، لأنّ النفس تلتذ بها وتميل إليها ، ولا كذلك ترك الإنكار عليها ، فكان جديرا بأبلغ الذم
وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ
أي هو ممسك يقتر بالرزق وغل اليد ، وبسطها مجاز عن البخل والجود ، ولا قصد فيه إلى إثبات يد وغلّ وبسط ولذلك يستعمل حيث لا يتصوّر ذلك كقوله :
جاد الحمى بسط اليدين بوابل * شكرت نداه تلاعه ووهاده
ونظيره من المجازات المركبة شابت لمة الليل وقيل معناه أنه فقير لقوله تعالى :
لَقَدْ
شرح
الحيوان مطلقا فإن كان عن قصد سمي عملا ثم إن حصل بمزاولة ، وتكرّر حتى رسخ ، وصار ملكة له سمي صنيعا ، وصنعة وصناعة فلذا كان لصنيع أبلغ لاقتضائه الرسوخ ، ولذا يقال للحاذق صانع ، وللثوب الجيد النسج صنيع كما قاله الراغب : والتدرّب الاعتياد والتحرّي التوخي وقصد الأحرى ، والأليق ، والتروّي التفكر والتأمل من الروية ، ووقع في نسخة تردّد يعني العود إليه مرّة بعد أخرى ، وفي أخرى تروّد ، وهي متقاربة معنى ، والحسبة بكسر الحاء اسم بمعنى الاحتساب ، وهو معروف وإنما كان ترك النهي أقبح من الارتكاب لأنّ المرتكب له في المعصية لذة ، وقضاء وطر بخلاف المقرّ له ، ولذا ورد أنّ جرم الديوث أعظم من الزانيين فإن قلت يلزم على هذا أن ترك النهي عن الزنا ، والقتل أشدّ إثما منهما ، وهو بعيد كما قيل قلت قيد الأشدّية يختلف بالاعتبار فكونه أشدّ باعتبار ارتكاب ما لا فائدة له فيه لا ينافي كون المباشرة أكثر إثما منه فتأمل . قوله : ( أي هو ممسك الخ ) أي بخيل يضيق الرزق ، وغل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود يعني فيمن لا تصح منه الحقيقة أصلا كما هنا بخلاف يد زيد مغلولة أو مبسوطة فإنه كناية عن ذلك وقد مرّ الكلام فيه ، وأنه قد لا تراعى هذه التفرقة كما جعلالرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى[ سورة طه ، الآية : 5 ] كناية عن الملك وفي قوله ، ولذلك يستعمل الخ . يقتضي أنه حيث يتصوّر منه ذلك مجاز مع أنه كناية فيحمل على ما إذا كان ثمة قرينة مانعة . قوله :( جاد الحمى بسط اليدين بوابل * شكرت نداه تلاعه ووهاده )جاد من الجود يقال جاد المطر فهو جائد والجمع جود كصاحب وصحب ، والوهاد بكسر الواو جمع وهدة ، وهي ما اطمأنّ وانخفض من الأرض ، والتلعة ما ارتفع منها وقال أبو عمر والتلعة مجاري ما ارتفع من الأرض إلى بطون الأودية ، والندي العطاء ، ولو قرئ يديه تثنية يد لصح وبسط بضمتين جمع باسط ، والمراد بها السحاب ، والوابل المطر الكثير . قوله :
( ونظيره من المجازات المركبة شابت لمة الليل ) الشيب معروف ، واللمة بالكسر ذؤابة مخصوصة قيل فيه نظر لأنه من مجاز المفردات فالشيب مجاز عن وضح الصبح ، واللمة عن سواده أي أبيض ما كان أسود منه ، وليس هذا بمتعين لجواز أن يشبه طروّ الصبح على الليل بعروض الشيب في الشعر الأسود . قوله : ( وقيل معناه أنه فقير الخ ) أيده بهذه الآية لأنّ قبض