وقدّم السجود على الركوع إمّا لكونه كذلك في شريعتهم أو للتنبيه على أنّ الواو لا توجب الترتيب أو ليقترن اركعي بالراكعين للإيذان بأنّ من ليس في صلاتهم ركوع ليسوا مصلين وقيل المراد بالقنوت إدامة الطاعة كقوله سبحانه وتعالى :
أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً
[ سورة الزمر ، الآية : 9 ] وبالسجود الصلاة كقوله تعالى :
وَأَدْبارَ السُّجُودِ
[ سورة ق ، الآية : 40 ] وبالركوع الخشوع والإخبات
ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ
أي ما ذكرنا من القصص من الغيوب التي لم تعرفها إلا بالوحي
وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ
أقداحهم للاقتراع ، وقيل اقترعوا بأقلامهم التي كانوا يكتبون بها التوراة تبركا ، والمراد تقرير كونه ، وحيا على سبيل التهكم بمنكر به فإنّ طريق معرفة الوقائع المشاهدة أو السماع وعدم السماع معلوم لا شبهة فيه عندهم فبقي أن يكون الاتهام باحتمال البيان ، ولا يظن به عاقل
أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ
متعلق بمحذوف دلّ عليه يلقون أقلامهم أي يلقونها ليعلموا أو
شرح
المهملة والفاء يقال : فرقت الرجل بكذا ، إذا اتهمته . قوله : ( أمرت بالصلاة الخ ) لما كان الظاهر أن يقال صلى أو فصلى أركان الصلاة وهي القيام المعبر عنه بالقنوت والركوع والسجود ، ويؤخر السجود بين وجهه بأنها أمرت بكل ركن على حدة مبالغة في المحافظة ، وقدّم السجود لأنه كان كذلك في صلاتهم ، وأمّا كونه للتنبيه على أنّ الواو لا تفيد الترتيب فلا يخفى ضعفه لأن الكلام مع من يعلم لا مع من يتعلمه من هذا النظم ، وكذا كونه قدّم لشرفه لأنه أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد لأنه إنما يتم على القول بأنّ القيام ليس أفضل منه كما نقل عن الشافعيّ ، وكذا الوجه الأخير غير تام إذ لو قيل واسجدي مع الساجدين أو مع المصلين لم يتأت ما ذكره ، وفي الكشاف أمرت بالصلاة بذكر القنوت والسجود لكونهما من هيئات الصلاة وأركانها ثم قيل لها واركعي مع الراكعين بمعنى ، ولتكن صلاتك مع المصلين أي في الجماعة أو انظمي نفسك في جملة المصلين ، وكوني معهم في عدادهم ، ولا تكوني في عداد غيرهم ، ويحتمل أن يكون في زمانها من كان يقوم ويسجد في صلاته ولا يركع وفيه من يركع فأمرت بأن تركع مع الراكعين ، يعني بعد الأمر بالصلاة أمرت بقيد في الصلاة ، وهو الجماعة أو بالمواظبة على ذلك بحيث تعدّ من جملة المصلين وتنسب إليهم أو بحقيقة الركوع والكون مع الذين يركعون لا مع الذين يصلون بلا ركوع ، وقوله عليها أي على الصلاة أو الأركان . قوله : ( وقيل المراد بالقنوت الخ ) قال الراغب رحمه اللّه : القنوت لزوم الطاعة فلا يقال إنّ الآية لا تدلّ على الإدامة لأنها مفهومة من قوله : آناء الليل والتعبير عن الصلاة بالسجود من التعبير بالجزء عن الكل ، والإخبات التواضع . قوله : ( أي ما ذكرنا الخ ) من القصص بيان لما هو إمّا بفتحتين أو جمع قصة وقوله : من الغيوب تفسير لقوله من أنباء الغيب وقوله : ( التي لم تعرفها الخ ) الحصر مأخوذ من المقام ، والأقداح جمع قدح بكسر فسكون وهو سهم يوضع للميسر والقرعة سميت أقلاما من القلم ، وهو القطع وهو بيان لإفراد اسم الإشارة بأنه باعتبار