المتقدّمة
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً
جماعة متفقة على دين واحد في جميع الأعصار من غير نسخ ، وتحويل ومفعول لو شاء محذوف دل عليه الجواب ، وقيل : المعنى لو شاء اللّه اجتماعكم على الإسلام لأجبركم عليه
وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ
من الشرائع المختلفة المناسبة لكل عصر وقرن ، هل تعملون بها مذعنين لها معتقدين أنّ اختلافها مقتضى الحكمة الإلهية أم تزيغون عن الحق ، وتفرّطون في العمل
فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ
فابتدروها انتهازا للفرصة وحيازة لفضل السبق والتقدّم
إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً
استئناف
شرح
جمع الأوصاف ، وقيل المنهاج الدليل الموصل إلى معرفة الدين . قوله : ( واستدلّ به الخ ) لأنه الظاهر من جعله لكل شرعة لأنّ الخطاب يعم الأمم إذ المعنى لكل أمّة لا لكل واحد من أفراد الأمم فيكون لكل أمّة دين يخصه ، ولو كان متعبدا بشريعة أخرى لم يكن ذلك الاختصاص قيل ، والجواب بعد تسليم دلالة اللام على الاختصاص الحصري منع الملازمة لجواز أن نكون متعبدين بشريعة من قبلنا مع زيادة خصوصيات في ديننا بها يكون الاختصاص ، وفيه أنه لا حاجة في إفادة الحصر لما ذكر مع تقدّم المتعلق ، وأيضا إنّ الخصوصيات المذكورة لا تنافي تعبدنا بشرع من قبلنا لأنّ القائلين به يدّعون أنه فيما لم يعلم نسخة ، ومخالفة ديننا له لا مطلقا إذ لم يقل به أحد على الإطلاق ، ولذا جمع بين أضراب هذه الآية وبين ما يخالفها نحو اتبعوا ملة إبراهيم بأنّ الاتباع في أصول الدين ، ونحوها . قوله : ( جماعة متفقة على دين واحد الخ ) قيده بذلك ليلا ثم ما قبله وجوز الزمخشريّ أن تكون الأمة بمعنى الملة بتقدير مضاف أي ذوي ملة وارتكبه وإن كان خلاف الظاهر لأنه أوفق بقوله تعالى :لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً[ سورة المائدة ، الآية :
48 ] والمعنى لو شاء أن يجعلكم أمة لجعلكم لكنه لم يشأ ، وعبر عن ذلك بقوله ليبلوكم أي أراد ليبلوكم ، وقدر أراد دون شاء ليصح تعلق اللام به ، وتقدير مفعول شاء مأخوذا من الجواب هو المطرد ، وأمّا خلافه فقد ردّه بعضهم ، وقد تقدّم بسط الكلام فيه ، وأجبر بالهمز من الجبر والقهر أفصح من جبر . قوله : ( من الشرائع المختلفة الخ ) إشارة إلى أنّ اختلاف الشرائع ليس بداء بل لحكم الهية يقتضيها كل عصر ، والزيغ العدول عن الحق ، والتفريط في العمل إهماله والتقصير فيه ، وحيازة فضل السبق لأنه يصير سالكا سنة يشرك من بعده في أجرها ، والسابقون السابقون أولئك المقرّبون ، وقوله انتهازا للفرصة أي اغتنام ما يمكن قال :انتهز الفرصة أنّ الفرصة * تصير أن لم تنتهزها غصهوقوله : ( تعليل الأمر الخ ) قيل أي لطلبه لا للزومه لظهور أن ليس المعنى أنه يلزمكم الاستباق لأجل أنّ مرجعكم إلى اللّه بل إني آمركم به ، أو أنه واجب عليكم لهذه العلة ، وفيه نظر لأنه لا معنى للوجوب سوى اللزوم فما المانع من اعتباره . قوله : ( استئناف فيه تعليل الأمر بالاستباق ) أي أنه جواب سؤال مقدّر بعد ما قرّر أنّ اختلاف الشرائع لاختبار المطيع الناظر
هامش
( 1 ) ذكره الواحدي في « أسباب النزول » 394 عن ابن عباس بدون إسناد .