هو عندهم ، وتنبيه على أنهم ما قصدوا بالتحكيم معرفة الحق ، وإقامة الشرع ، وإنما طلبوا به ما يكون أهون عليهم ، وإن لم يكن حكم اللّه تعالى في زعمهم ، وفيها حكم اللّه حال من التوراة إن رفعتها بالظرف ، وإن جعلتها مبتدأ فمن ضميرها المستكنّ فيه ، وتأنيثها لكونها نظيرة لمؤنث في كلامهم لفظا كموماة ودوداة
ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ
ثم يعرضون عن حكمك الموافق لكتابهم بعد التحكيم ، وهو عطف على يحكمونك داخل في حكم التعجيب
وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ
بكتابهم لأعراضهم عنه أوّلا ، وعما يوافقه ثانيا ، أو بك وبه
إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً
يهدي إلى الحق
وَنُورٌ
يكشف عما استبهم من الأحكام
يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ
يعني أنبياء بني إسرائيل ، أو موسى ، ومن بعده إن قلنا : شرع من قبلنا شرع لنا ، ما لم ينسخ ، وبهذه الآية تمسك القائل به
الَّذِينَ أَسْلَمُوا
صفة أجريت
شرح
حكم التعجيب لكن سوقه ليس على ما ينبغي . قوله : ( وإن جعلتها مبتدأ فمن ضميرها المستكن فيه ) أي في الظرف ، وهو عندهم لأنّ الحال من المبتدأ لا يصح عند سيبويه ، وقيل رفعها بالظرف ضعيف لعدم اعتماده وهو سهو لأنها اعتمدت على ذي الحال كما في الدرّ المصون لكن قال النحرير جعل التوراة مرفوعا بالظرف المصدّر بالواو محل نظر ووجه النظر أنها تجعله جملة مستقلة غير معتمدة أو أنه لا يقرن بالواو ، ولم يلتفت إلى هذا النظر المعرب ، وإنما أوّل تأنيث التوراة لأنه اسم أعجمي وتاء التأنيث إنما يعتبر تأنيثها في العربي فأشار إلى أنها بعد التعريب عوملت معاملة الأسماء العربية الموازنة لها والموماة المغارة والدوداة مهملا الأرجوحة للصبيان أو صوت حركتها ، وتكون بمعنى الجلبة وقد ذكره الأزهريّ فقول الطيبي لم أجده في كتب اللغة لا وجه له . قوله : ( وهو عطف على يحكمونك داخل في حكم التعجيب ) لأنّ التحكيم مع وجود ما فيه الحق المغني عن التحكيم ، وإن كان محلا للتعجب ، والاستبعاد لكن مع الإعراض عن ذلك أعجب وضمير به للكتاب وقوله : لأعراضهم إشارة إلى أنّ عدم الرضا بحكم اللّه كفر وعلى الوجه الثاني فالكفر ظاهر ، وقوله : يهدي إلى الحق إشارة إلى تفسيره ، وبيان متعلقه واستعارة النور للمبين ظاهرة ، ويصح في يهدي ، ويكشف الياء ، والتاء على أنّ الضمير للتوراة قال النحرير : وهو أولى والجملة بيان للجملة أعني فيها هدي . قوله : ( يعني أنبياء بني إسرائيل الخ ) يعني إن خص فهو ظاهر وإن عم فالمراد ما لم ينسخ منها على القول بأنّ شريعة من قبلنا شريعة لنا ، وأورد عليه أنّ قوله للذين هادوا صريح في تخصيصها ببني إسرائيل ، وكذا قوله الذين أسلموا فإنّ المراد الذين انقادوا لها ولم ينسخوا أحكامها ، وفيه نظر لأنه غفلة عن كونه متعلقا بانزل فإنّ تخصيص الإنزال بهم لا يقتضي تخصيص العمل والصفة مادحة لا مقيدة كما سيأتي نعم ما ذكره جواب عن الاستدلال بهذه الآية لا مانع من حملها على وجه آخر . قوله : ( صفة أجريت على النبيين الخ ) تبع في هذا الزمخشريّ بناء على ظاهر كلامه وقد قيل عليه أنّ المدح إنما يكون بالصفات الخاصة التي يتميز بها الممدوح عمن دونه والإسلام لأمم الأنبياء فلا يحسن مدح النبيّ به فالوجه أنّ الصفة قد تذكر لمدحها وتعظيمها في نفسها ،