تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 476

مساهمون:

ص٤٧٦
وهو قول للشافعيّ والأصح وجوبه إذا كان المترافعان ، أو أحدهما ذميا لأنا التزمنا الذبّ عنهم ، ودفع الظلم عنهم والآية ليست في أهل الذمة وعند أبي حنيفة يجب مطلقا
وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً
بأن يعادوك لإعراضك عنهم ، فإنّ اللّه سبحانه وتعالى يعصمك من الناس
وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ
أي بالعدل الذي أمر اللّه به
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ
فيحفظهم ، ويعظم شأنهم
وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ
تعجيب من تحكيمهم من لا يؤمنون به ، والحال أن الحكم منصوص عليه في الكتاب الذي
شرح
تخفيفا وفتحتين اسم منه وأما بفتح فسكون فمصدر أريد به المسحوت كالصيد بمعنى المصيد . قوله : ( لو تحاكم كتابيان إلى القاضي الخ ) تحقيق المقام كما في كتاب الأحكام للجصاص رحمه اللّه تعالى أنّ هذه الآية ظاهرها التخيير ، وهي معارضة لقوله تعالى :وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ[ سورة المائدة ، الآية : 49 ] فذهب قوم إلى أنّ التخيير منسوخ بالآية الأخرى وأنه كان أوّلا مخيرا ثم أمر بإجراء الأحكام عليهم ، وإليه ذهب كثير من السلف ، ومثله لا يقال من قبل الرأي وقيل إنّ هذه الآية فيمن لم يعقد له ذمة ، والأخرى في أهل الذمة فلا نسخ إلا أن يراد به التخصيص فتأمل لأنّ من أخذت منه الجزية تجري عليه أحكام الإسلام ، وقد روي هذا عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال أصحابنا أهل الذمة محمولون على أحكام الإسلام في البيوع والمواريث ، وسائر العقود إلا في بيع الخمر والخنزير فإنهم يقرون عليه ، ويمنعون من الزنا كالمسلمين فإنهم نهوا عنه ، ولا يرجمون لأنهم غير محصنين واختلف في مناكحاتهم فقال أبو حنيفة يقرّون عليها ، وخالفه في بعض ذلك محمد وزفر وليس لنا اعتراض عليهم قبل التراضي بأحكامنا فمتى تراضوا بها ، وترافعوا إلينا وجب إجراء الأحكام عليهم ، واعتبر أبو حنيفة تراضيهما بأحكامنا فلم يجز الحكم عليهما بمجيء الآخر ، وخالفه محمد رحمه اللّه تعالى في هذا فلو أسلم أحدهما لزم الآخر حكم الإسلام ، وهذا مما تحقيقه في الفروع فإن أردت تفضيله فراجع كتاب الأحكام للجصاص ، والذب بالذال المعجمة الدفع . قوله : ( بأن يعادوك لأعراضك عنهم الخ ) يعني أنّ تعليق عدم الضرر بالأعراض باعتبار ما يترتب على عدم الحكم بما يوافق هواهم من العداوة المقتضية للتصدي لضرره فيصير مآل المعنى أن تعرض عنهم فعادوك ، وقصدوا ضررك فاللّه يعصمك منهم ، وقيل عليه إنّ المصنف رحمه اللّه فسر العصمة في قوله تعالى :وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ[ سورة المائدة ، الآية : 67 ] بعصمة الروح ، وهي لا تنافي المضرة ، وأجيب بأن مراده هنا بإيراد هذه العبارة عدم الضرّ مطلقا ، ولم يقصد حكاية ما في الآية ، وقوله فيحفظهم ، ويعظم شأنهم إشارة إلى أن المراد بالمحبة ما يلزمها من حفظه هنا ، وتعظيمه كما هو شأن المحبوب ، وبه يرتبط بما قبله وينتظم معه أتم انتظام إذ هي ميل القلب ، وهو في حقه تعالى غير متصوّر . قوله : ( تعجيب من يحميكم من لا يؤمنون به الخ ) قيل الأولى أنه تعجيب من تحكيمهم ، والتولي فإن شأن التحكيم الرضا بحكم الحكم كما تشير إليه كلمة ثم الاستبعاد به ، وليس هذا بخارج عن كلام المصنف رحمه اللّه تعالى لقوله فيما بعد أنه داخل في