كان فسادا ، فكأنه قيل : ويفسدون في الأرض فسادا
أَنْ يُقَتَّلُوا
أي قصاصا من غير صلب إن أفردوا القتل
أَوْ يُصَلَّبُوا
أي يصلبوا مع القتل إن قتلوا وأخذوا المال ، وللفقهاء خلاف في أنه يقتل ، ويصلب أو يصلب حيا ويترك ، أو يطعن حتى يموت
أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ
تقطع أيديهم اليمنى ، وأرجلهم اليسرى إن أخذوا المال ، ولم يقتلوا
أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ
ينفوا من بلد إلى بلد بحيث لا يمكنون من القرار في موضع إن اقتصروا على الإخافة ، وفسر أبو حنيفة النفي بالحبس ، وأو في الآية على هذا
شرح
مرتدين بإظهار محاربة النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، ومخالفته انتهى ، وعليه فلا حاجة إلى التأويل ، ولا يرد عليه شيء ، وهو ظاهر ، وأصل معنى الحرب لغة السلب أي الأخذ ، وقد يستعمل بمعناه يقال حربه إذا سلبه كما قاله الراغب : والمكابرة الهجوم جهرة واللصوصية بضم اللام مصدر بمعنى السرقة والمكابرة بهذا المعنى استعملها الفقهاء ، وذكرها الجاحظ في كتاب اللصوص ، وأهملها كثير من أهل اللغة فكأنها مولدة لم تثبت عندهم إلا أنّ الجاحظ ثقة ، ولم يقل أنها مولدة . قوله :
( أي مفسدين الخ ) يعني أنه حال بتأويل المصدر باسم الفاعل أو مفعول له أو مصدر لسعي من معناه كقعدت جلوسا وفساد اسم مصدر بمعنى الإفساد حينئذ ، وفي كلام المصنف رحمه اللّه تعالى إشارة إليه .
تنبيه : في الكشاف في قوله ليريه كيف يواري سوأة أخيه ليعلمه لأنه لما كان سبب تعلمه فكأنه قصد تعليمه على سبيل المجاز قيل فهو استعارة تبعية في اللام حيث شبه ترتب التعلم على بحثه ، وتسببه عنه بترتب ما يقصد بالفعل عليه ، وكلامه صريح فيه ، وإن توهم أنّ مراده أنّ إسناد التعليم إلى الغراب مجازي لكونه سببا ، ولو أراد هذا قال فكأنه علمه ثم بعد التجوّز في اللام هل الإسناد مجازي فيه تأمّل انتهى .
( أقول ) يعني على استعارة اللام معناه أنه ببحثه تبين له مواراة أخيه حقيقة ، وهذا في التأويل ظاهر أما إسناده إلى الغراب فلا يمكن أن يكون على الحقيقة ، ثم إنه على إرجاع الضمير للّه ، وتعلقه ببعث لا بدّ فيه من التجوز في اللام لأنها للعاقبة ، وكلامه مشعر بخلافه فتأمّل . قوله : ( أن يقتلوا الخ ) الإتيان بالتفعيل لما فيه من الزيادة على القصاص من أنه لا يسقط بعفو الولي ، وكذا التصليب لما فيه من القتل ، وإنما ضم إليه القتل لأنه لا يكون جزاء القتل وأخذ المال أقل من القتل وحده ، وقوله : حتى يموت تنازع فيه يترك ويطعن ، وقوله : تقطع الخ . هذا في أول مرّة فإن عاد قطع الأخريان . قوله : ( ينفوا من بلد الخ ) اختلف في النفي فقال الحجازيون ينفي من موضع إلى موضع .
وقال العراقيون : يسجن ، ويحبس ، والعرب تستعمل النفي بمعنى السجن لأنه يفارق بيته وأهله ، وقال ابن عربي : فيه أقوال فقيل : ينفي لبلاد ، وقيل : لبلد أبعد ، وقيل : يطالبونه بالحد ، وإلى الأول ذهب صاحب المحرر من الشافعية أيضا كما قال الشاعر :