تسقط الحد وإن أسقطت العذاب ، وأنّ الآية في قطاع المسلمين ، لأن توبة المشرك تدرأ عنه العقوبة قبل القدرة وبعدها
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ
أي ما تتوسلون به إلى ثوابه ، والزلفى منه من فعل الطاعات ، وترك المعاصي من ، وسل إلى كذا إذا تقرب إليه ، وفي الحديث : « الوسيلة منزلة في الجنة »
وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ
بمحاربة أعدائه الظاهرة والباطنة
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
بالوصول إلى اللّه سبحانه وتعالى ، والفوز
شرح
حالتا وجوب ، وجواز لأنا إن نظرنا إلى الولي فطلبه جائز لا واجب مطلقا أو للإمام فإن طلبه منه الولي وجب وإلا لم يجز من حيث كونه قصاصا وإلا جاز أو وجب من حيث كونه حدا ، وأوله بعضهم بما لا يوافق المذهب فتأمّل .
وقال شيخنا ابن قاسم ادعاؤه الفساد ظاهر الفساد فإنه لم يدع ما ذكر ، وإنما ادعى أنّ لها دخلا في صفة القتل قصاصا وهي وجوبه ، وقوله : ( إذ لا يتصور الخ ) قلنا لم يدع أنّ له حالتي وجوب وجواز بهذا القيد بل ادعى أن له حالتين في نفسه ، وهو صحيح على أنه يمكن أنّ له حالتين بذلك القيد لكن باعتبارين اعتبار الولي ، واعتبار الإمام إذا طلب منه ، وقوله : ( إن نظرنا الخ ) كلام ساقط ولا شك أنّ النظر إليهما يقتضي ثبوت الحالتين قصاصا ، وقوله : فتأمّل تأمّلنا فوجدنا كلامه نشأ من قلة التأمّ انتهى . قوله : ( وإنّ الآية في قطاع المسلمين الخ ) قيل عليه المراد بالتوبة عن قطع الطريق ، ولا تأثير لها في سقوط الحد بعد القدرة سواء كانت من الكافر أو المسلم ، وأما إن توبة الكافر مسقطة لجميع ما كان قبل التوبة فمعلوم من غير هذا الموضع .
واعلم أن مراد المصنف رحمه اللّه تعالى ما فصله في كتاب الأحكام أنّ محاربة اللّه ذهب قوم من السلف إلى أنها إنما تستعمل في الكفار فمن قال به حمل هذه الآية على أهل الردة ورده بأنه ورد في الأحاديث إطلاقها على أهل المعاصي أيضا وأنه لا خلاف بين السلف ، والخلف في أن هذا الحكم غير مخصوص بأهل الردة ، وإنه فيمن قطع الطريق ، وإن كان من أهل الملة وحكي عن بعض المتأخرين ، ومن لا يعتد به أنّ ذلك مخصوص بالمرتدين وهو قول ساقط مردود مخالف للأمة ، وإجماع السلف ، والخلف ويدلّ على أنّ المراد به قطاع الطريق من أهل الملة قوله تعالى :إِلَّا الَّذِينَ تابُواالخ ومعلوم أنّ المرتدين لا يختلف حكمهم في زوال العقوبة عنهم بالتوبة بعد القدرة كما يسقطها عنهم قبل القدرة ، وقد فرق اللّه بين توبتهم قبل القدرة ، وبعدها ، وأيضا فإن الإسلام لا يسقط الحد عمن وجب عليه ، وأيضا ليست عقوبة المرتدين كذلك ، والآية وإن نزلت في الكفار من العرينين « 1 » أو غيرهم فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، ومراد المصنف رحمه اللّه تعالى رد هذا القول الذي ذهب إليه بعض
هامش
( 1 ) ورد من حديث أنس أخرجه البخاري 4192 و 5727 ومسلم 1671 والواحدي 388 وله شواهد أخرى وطرق .