يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا
عدّاه بعلى لتضمنه معنى الحمل والمعنى لا يحملنكم شدّة بغضكم للمشركين على ترك العدل فيهم ، فتعتدوا عليهم بارتكاب ما لا يحل كمثلة ، وقذف وقتل نساء ، وصبية ونقض عهد تشفيا مما في قلوبكم
اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى
أي العدل أقرب للتقوى صرح لهم بالأمر بالعدل وبين أنه بمكان من التقوى بعدما نهاهم عن الجور وبين أنه مقتضى الهوى ، وإذا كان هذا العدل مع الكفار فما ظنك بالعدل
شرح
فقوله أو ميثاق ليلة العقبة أي الأولى ، وقصتها معروفة ، وبيعة الرضوان بالحديبية سميت بها لقوله تعالى :لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ[ سورة الفتح ، الآية : 18 ] وقوله : في إنساء نعمه بمعنى نسيانها ، وهو مصدر أنسى المزيد فكأنّ من نسي أنسى نفسه ، وذات الصدور أصل معناه صاحبه الصدور فتجوّز به عما فيها كما في قوله : ذا إنائك وأشار إلى أنّ المراد بعلمه مجازاته على ما علمه ، وفضلا لا يكون في مثل هذا الموقع فيؤول هنا أو يدرج في مسامحات المصنفين لأنّ لها استعمالا خاصا بعد النفي ويمكن تأويل كلامه بما يوافقه ، وهو واضح . قوله : ( عداه بعلى الخ ) قد سبق ما نقلنا من أنّ جرم يكون بمعنى حمل فيتعدّى للمفعول الأوّل بنفسه وللثاني بعلى أو بمعنى كسب فيتعدّى لواحد ولاثنين وفسره المصنف رحمه اللّه بهما هناك ، وهنا لما صرح بعلى تعين الأوّل فإن كان معنى حقيقيا فلا كلام ، وإلا نعتبر التضمين والمصنف أشار إلى أنّ المختار عنده أنه غير حقيقي فتقديمه هناك لموافقته لما صرح به في النظم فما قيل جرم يجيء متعدّيا إلى مفعول مثل جرم ذنبا ، وليس هذا منه لأنّ مفعوله لا يكون إلا مكسوبا كالذنب لا الشخص ، وإلى مفعولين ، وظاهر أنّ هذا ليس منه لوجود حرف الجر فيما هو في موقع المفعول الثاني فاعتبر تضمين معنى الحمل ليصح كون معنى الأوّل هو الشخص ، والثاني مع حرف الاستعلاء لا يخفى ما فيه من القصور بل الخلل كما يعلم مما مر ولما فتحت مكة أمر اللّه المسلمين أن لا يكافئوا كفار مكة بما سلف منهم وأن يعدلوا في القول ، والفعل والحكم ، وهو مراد المصنف بما ذكره . قوله : ( أي العدل الخ ) يعني أنّ الضمير راجع إلى المصدر الذي تضمنه الفعل ، وهو إمّا مطلق العدل فيندرج فيه العدل مع الكفار ، وهو المقصود بالآية لما مر في سبب النزول وإن كان للعدل مع الكفار فظاهر وعلى الوجهين يتمّ قوله وإذا كان هذا العدل الخ فلا يرد قول النحير أنّ مبناه على أنّ ضمير هو أقرب لخصوص مصدر اعدلوا المراد به العدل مع المشركين ، وترك الاعتداء عليهم ، وأمّا إذا كان لمطلقه فلا . قوله : ( صرح لهم بالأمر بالعدل الخ ) في الكشاف فصرح لهم بالأمر بالعدل تأكيدا ، وتشديدا ثم استأنف فذكر لهم وجه الأمر بالعدل ، وهو قوله :هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوىأي العدل أقرب إلى التقوى ، وأدخل في مناسبتها أو أقرب إلى التقوى لكونه لطفا فيها يعني أنّ أقربيته إلى للتقوى مناسبة الطاعة للطاعة فالتقوى نهاية الطاعة ، وهو أنسب بها من غيره منها أو مناسبة إفضاء السبب إلى المسبب فهو بمنزلة الجزء الأخير من العلة فليس المراد أنه أقرب من غير العدل حتى يكون من قبيل الخل أحلى من العسل كما قاله الراغب : فتدبر . قوله :