تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 400

مساهمون:

ص٤٠٠
يودّون أن يعلموا صحة دعوى النبوّة على وجه يستغنى عن النظر والتأمّل ، وهذا النوع من خواص الملك ، ولا سبيل للإنسان إلى العلم بأمثال ذلك سوى الفكر والنظر ، فلو أتى هؤلاء بالنظر الصحيح لعرفوا نبوّتك ، وشهدوا بها كما عرفت الملائكة وشهدوا
وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً
أي وكفى بما أقام من الحجج على صحة نبوّتك ، عن الاستشهاد بغيره .
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيداً
لأنهم جمعوا بين الضلال والإضلال ، ولأن المضلّ يكون أعرق في الضلال ، وأبعد عن الانقلاع عنه
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا
محمدا عليه الصلاة والسّلام بإنكار نبوّته ، أو الناس بصدّهم عما فيه صلاحهم وخلاصهم أو بأعم من ذلك ، وعليه يدلّ على أنّ الكفار مخاطبون بالفروع إذ المراد بهم الجامعون بين الكفر والظلم
لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً
إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً
لجرى حكمه السابق ، ووعده المحتوم على أنّ من مات على كفره ، فهو خالد في النار وخالدين حال مقدّرة
وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً
لا يعسر عليه ولا يستعظمه
يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ
لما قرّر أمر النبوّة وبين الطريق الموصل إلى العلم بها ، ووعيد من أنكرها خاطب الناس عامّة بالدعوة وإلزام الحجة ، والوعد بالإجابة ، والوعيد على الردّ
فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ
أي إيمانا خيرا لكم ، أو
شرح
بصحة ما أنزله من القرآن بإظهار المعجزات المقصود منه إثبات نبوّته فتأمّل . قوله : ( وفيه تنبيه على أنهم يودّون أن يعلموا صحة دعوى النبوّة الخ ) أي يعلم من سياق النظم أنّ أهل الكتاب في تعنتهم ، وسؤالهم كانوا يودّون أي يحبون ويريدون أن يظهر لهم جلية الأمر عيانا ليؤمنوا وهم مخطؤون لأنّ هذا ليس طريقا للبشر في معرفة الحق والنبوّة بل مخصوص بالملائكة لأنهم يشاهدون ذلك فلذلك أثبتها اللّه لهم بالإعجاز المحتاج إلى التفكر ، والتدبر ، وفي كون الجاحدين المعاندين من أهل الكتاب يودّون ذلك نظر لا يخفى ، وقوله : ( جمعوا بين الضلال والإضلال ) من الصدّ عن سبيل اللّه ، وأعرق من العرق بعين وراء مهملتين ، وقاف بمعنى أقوى وأدخل . قوله : ( وعليه يدل على أنّ الكفار الخ ) أي على هذا الوجه النظم أو الآية تدلّ على أنّ الكفار مخاطبون بفروع الشريعة أما على ما قبله فلا دلالة لها لأنهم مخاطبون بالأصول ، ومكلفون بترك الكفر ، والظلم إذا كان بمعنى إنكار النبوّة أو صدّ الناس عن الدخول في الدين فهو كفر وهم مخاطبون بتركه بالاتفاق ، وأمّا إذا كان أعم شاملا لظلم أنفسهم بالمعاصي ، وذكر أنه لا يغفر لهم ذلك دلت الآية على أنهم مؤاخذون به ومكلفون ، ومخاطبون بوجوبه عليهم ، ومنهم من أرجعه إلى الوجهين الأخيرين ، وله وجه وإذا كان في تفسير الظلم وجوه كما ذكره لم يتم الاستدلال ، والمسألة مبسوطة في أصول الفقه ، وفي الكشاف هنا كلام تركه المصنف رحمه اللّه تعالى لأنه مبني على الاعتزال الصرف ، وقوله : لجري حكمه الخ . أي لا بالوجوب