يخرج الدجال ، فيهلكه ولا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمننّ به حتى تكون الملة واحدة ، وهي ملة الإسلام ، وتقع الأمنة حتى ترتع الأسود مع الإبل ، والنمور مع البقر ، والذئاب مع الغنم ، وتلعب الصبيان بالحيات ، ويلبث في الأرض أربعين سنة ، ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون ، ويدفنونه
وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً
فيشهد على اليهود بالتكذيب وعلى النصارى بأنهم دعوه ابن اللّه
فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا
أي فبأيّ ظلم منهم
حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ
يعني ما ذكره في قوله :
وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا
[ سورة الأنعام ، الآية : 146 ]
وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً
ناسا كثيرا أو صدّا كثيرا
وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا
شرح
مرادا به الجمع فحمل المقدّر عليه فتأمّل ، ومعنى الوعيد أنّ ذلك الأمر الذي يتحرّزون عنه كائن لا محالة ، وقراءة الجمع لا تعين ذلك الاحتمال في القراءة الأخرى إن قلنا بجواز تخالف القراءتين معنى ، وإلا ففيه نظر ورجوع الضمير إلى عدم قتله خلاف الظاهر وإن قيل به . قوله :
( روي أنه عليه الصلاة والسّلام ينزل الخ ) هذا الحديث رواه أبو داود وابن حبان عن أبي هريرة رضي اللّه عنه دون قوله : فلا يبقى أحد من أهل الكتاب الخ . وروى هذه الزيادة ابن جرير ، وصححه الحاكم عن ابن عباس رضي اللّه عنهما موقوقا ، وكونه يمكث أربعين سنة استشكله الحافظ عماد الدين بن كثير رحمه اللّه بأنه ثبت في صحيح مسلم عن ابن عمر رضي اللّه عنهما أنه يمكث في الأرض سبع سنين ، وجمع بين الروايتين بأنّ رواية مسلم لبيان مدّة مكثه بعد نزوله من السماء ، والرواية الأخرى لبيان مجموع إقامته قبل الرفع وبعده فإنه رفع ، وهو ابن ثلاث ، وثلاثين سنة فإذا نزل مكث سبع سنين فيكون مدّة لبثه في الدنيا أربعين سنة ، ولفظ مسلم يبعث اللّه عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسّلام فيطلبه فيهلك أي الدجال ثم يلبث الناس بعده سبع سنين ليس بين اثنين عداوة قال البيهقي ويحتمل أيضا قوله ثم يلبث الناس بعده أي بعد موته فلا تكون هذه الرواية مخالفة للرواية الأولى ، ورجح هذا الجمع على الأوّل بأنّ الرواية ليست نصا في لبث عيسى صلّى اللّه عليه وسلّم وتلك نص فيها ، وقوله بعده وثم صريح فيه والرواية الأولى مشهورة مروية من طرق كثيرة ، ولم يخالفها غير رواية مسلم فينبغي تأويلها ، ثم اختلف في محل دفنه عليه الصلاة والسّلام ، فقيل : يدفن في حجرة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وإنّ محله فيها معدّله ، وورد فيه أثر وقيل في بيت المقدس ، وقوله : ويوم القيامة الخ يدل على جواز تقدّم خبر كان عليها مطلقا أو إذا كان ظرفا لأن المعمول إنما يتقدم حيث يصح تقديم عامله ، والضمير في يكون لعيسى عليه الصلاة والسّلام ، وقيل لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهو خلاف الظاهر ، ولذا لم يذكره المصنف رحمه اللّه . قوله : ( فبأيّ ظلم الخ ) أخذ التعميم من التنوين ، وليس مراده أنّ له صفة محذوفة كما قيل ، وترك ذكر الحصر لما مرّ ، وقوله وعلى الذين هادوا الخ المحرّم هو ما سيأتي في الأنعام مفصلا فإن قيل التحريم كان في التوراة ، ولم يكن حينئذ كفر بعيسى ، ومحمد عليهما الصلاة والسّلام ، وصدّ عن سبيل اللّه .
قيل المراد استمرار التحريم ، وجعل الزمخشري الصدّ والأكل ونحوهما بيانا للظلم قال