اليهود قالوا : إن كنت صادقا فائتنا بكتاب من السماء جملة ، كما أتى به موسى عليه السّلام ، وقيل كتابا محررا بخط سماويّ على ألواح ، كما كانت التوراة ، أو كتابا نعاينه حين ينزل ، أو كتابا إلينا بأعياننا بأنك رسول اللّه
فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ
جواب شرط مقدّر أي إن استكبرت ما سألوه منك ، فقد سألوا موسى عليه السّلام أكبر منه ، وهذا السؤال وإن كان من آبائهم أسند إليهم ، لأنهم كانوا آخذين بمذهبهم تابعين لهديهم ، والمعنى أنّ عرفهم راسخ في ذلك ، وأنّ ما اقترحوه عليك ليس بأوّل جهالاتهم وخيالاتهم
فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً
عيانا أي أرناه نره جهرة ، أو مجاهرين معاينين له
فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ
نار جاءت
شرح
كان لنفي الاستقبال كأن لن يفعل لتأكيد ذلك ، وهذا معنى قول سيبويه بل يفعل نفي سوف يفعل وإن كان ظاهر عبارته أنه لنفي التأكيد ، وقوله : لا محالة بيان للتأكيد ، وتلوين الخطاب المراد به الالتفات من التكلم للغيبة ، والتلوين جعله لونا بعد لون للتطرية ، وهو كالتفنن أعمّ من الالتفات ، وقوله : بتضعيف حسناتهم إشارة إلى تعلقه بقوله سوف نؤتيهم أجورهم ، وأنهم يزادون على ما وعد والسعة رحمته . قوله : ( قالوا إن كنت صادقا الخ ) لما كان أتى بكتاب ، وهو القرآن ، ومنهم من يعلمه ، ومنهم من يسمع به فلا بدّ أن يكون ما سألوه تعنتا مخالفا له إمّا بكونه جملة ، وهو منجم أو بكونه بخط سماويّ أو معاينة نزوله أو ذكرهم بأعيانهم فما فسره به مدلول عليه بقرينة الحال فلا يقال إنه من أين أخذ هذا التقييد ، ولا قرينة عليه ، وأمّا كون تنزل دالا على التدريج كما مرّ فكيف يكون ما سألوه جملة فليس مطلقا أو مطردا كما مر ، وقوله :
إن كنت صادقا رواه الطبري بمعناه . قوله : ( جواب شرط مقدّر الخ ) يعني أنّ الفاء في جواب شرط مقدّر والجواب مؤوّل كما أشار إليه ، والتقدير إن استكبرت هذا ، وعرفت ما كانوا عليه تبين لك رسوخ عرقهم في الكفر فلا يرد عليه أنّ سؤال الأكبر فيما مضى لا يترتب على استكباره صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقيل إنها سببية والتقدير لا تبال ولا تستكبر فإنهم قد سألوا موسى صلّى اللّه عليه وسلّم أكبر من ذلك ، وقرأ الحسن رحمه اللّه أكثر بالمثلثة . قوله : ( وإن كان من آبائهم الخ ) الهدى بالسكون السيرة ، والطريقة وإسناد ما للأصل إلى الفرع من قبيل إسناد ما للسبب للمسبب فسقط ما قيل أنّ الآخذ بمذهب الفاعل الحقيقيّ لم يعدّ من ملابساته في كتب المعاني لكن صاحب الكشاف اعتبره في هذا المقام أيضا ، وقد يجعل من إسناد فعل البعض إلى الكل بناء على كمال الاتحاد نحو قومي هم قتلوا أمما أخر فيكون المراد بضمير سألوا جميع أهل الكتاب لصدور السؤال عن بعضهم ، واقترحوه بمعنى ابتدعوه واخترعوه . قوله : ( أي أرناه نره جهرة ) لما كانت الجهرة صفة الرؤية كما في كتب اللغة لا الإراءة اقتضى ذلك تقدير ما ذكره ، وأشار إلى أنه صفة مصدر رأى رؤية لا قولا جهرة ، وسؤالا جهرة كما قيل ، ويصح أن يكون حالا من مفعول أرنا الأوّل أي مجاهرين ، ومعاينين ولا وجه لما قيل إنّ تقديره بعيد عن الفهم ، والظاهر أنه مصدر الإراءة في الحقيقة إمّا من لفظه بتقدير إراءة عيان أو من غير لفظه أي رؤية عيان ، ويحتمل الحالية من المفعول الثاني أي معاينا على صيغة المفعول ، ولا لبس فيه لاستلزام كل منهما الآخر فلا يقال