تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 383

مساهمون:

ص٣٨٣
تفعلوه سرا
أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ
لكم المؤاخذة عليه ، وهو المقصود وذكر إبداء الخير وإخفائه تشبيب له ، ولذلك رتب عليه قوله :
فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً
أي يكثر العفو عن العصاة مع كمال قدرته على الانتقام فأنتم أولى بذلك ، وهو حث للمظلوم على العفو بعد ما رخص له في الانتصار حملا على مكارم الأخلاق
إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ
بأن يؤمنوا باللّه ، ويكفروا برسله
وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ
نؤمن ببعض الأنبياء ونكفر ببعضهم
وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ
شرح
تذييل لما قبله فيقتضي تخصيصه به ، وقوله ، وهو المقصود إنما كان مقصودا لأنّ ما قبله في ذكر السوء ، والجهر به فمقتضى السياق لا يحب اللّه الجهر بالسوء إلا من ظلم فإن عفا المظلوم عنه ، ولم يدع على ظالمه فإنّ اللّه عفو قدير لكنه ذكر قبله إبداء الخير ، وإخفاءه توطئة للعفو عن السوء لأنه يعلم من مدح حالي الخبر السر ، والعلانية أنّ السوء ليس كذلك جهرا وإخفاء فينبغي العفو عنه ، وتركه قال النحرير بعد الأعلام بأنه لا يحب الجهر بالسوء إلا جهر المظلوم حث على العفو بقوله : أو تعفوا عن سوء بعدما جوّز الجهر بالسوء ، وأذن فيه وجعله محبوبا حيث استثناء من لا يحبّ ، وإنما حث عليه لأجل الحث على الأحب الأفضل ، وذكر إبداء الخير ، وإخفاءه بقوله : إن تبدوا خيرا أو تخفوه تشبيبا أي توطئة ، وتمهيدا للعفو من شبب بشين معجمة ، وباءين موحدتين في قصيدته إذا قدّم على الغرض من المدح الغزل ، ووصف الحسن ، والجمال وإنما عطفه بأو مع دخوله في الخير بقسميه للاعتداد به ، والتنبيه على منزلته ، وكونه من الخير بمكان مرتفع ، وكانّ المراد بكون الجهر محبوبا أنه غير مكروه فيتناول المباح ، وإلا فترك المندوب لا يكون أحب ، وأفضل ، وليس المراد أنه حينئذ هو المقصود ، وأنه من قبيل ، وملائكته ، وجبريل لأنّ مثله يعطف بالواو لا بأو ، ولذا حمل المصنف رحمه اللّه الخير على الطاعة ، والبرّ مما هو عبادة ، وقربة فعلية لتغاير العفو فالمراد بالتوطئة أنه ذكر ما هو مناسب له ، وقدّم عليه وإنما المقصود بالسياق العفو . قوله : ( ولذلك رتب عليه الخ ) أي لو لم يكن الغرض هو العفو فقط ، وكان إبداء الخير ، وإخفاؤه أيضا مقصودا بالشرط لم يحسن الاقتصار في الجزاء على كون اللّه عفوا قديرا . قوله : ( فأنتم أولى بذلك ) لأنّ القادر إذا عفا فغير القادر أولى إذ قد بضطرّ إلى العفو والاقتداء بسنة اللّه أولى بكم فلا يقال إنه تعالى لا يتضرر بالعصيان ، ونحن نتأذى بالظلم فكيف يكون عفو المتأذى أولى وقوله : ( وبعدما رخص ) إشارة إلى أنّ الانتقام رخصة غير محبوبة ، إلا فلا يكون العفو أحب لأنّ ترك المندوب لا يكون أحب إذ استثناء الجهر أفاد به أنه غير مكروه لا أنه محبوب كما مرّ فتأمّل . قوله : ( بأن يؤمنوا باللّه ويكفروا برسله ) يعني أنّ التفريق في اعتقاد الحقية لأحدهما دون الآخر لا يصح مع أنّ حقية أحدهما تستلزم حقية الآخر فالذين يكفرون باللّه ، ورسله هم الذين خلص كفرهم الصرف بالجميع ، والذين يفرقون بينه وبين رسله هم الذين آمنوا باللّه ، وكفروا برسله لا عكسه ، وإن قيل إنه يتصوّر في النصارى لإيمانهم بعيسى صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكفرهم باللّه لجعلهم له شريكا ولذا فإنّ