أولا فيشكر شكرا مبهما ، ثم يمعن النظر فيعرف المنعم فيؤمن به
وَكانَ اللَّهُ شاكِراً
مثيبا يقبل اليسير ، ويعطي الجزيل
عَلِيماً
بحق شكركم وإيمانكم
لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ
الأجهر من ظلم بالدعاء على الظالم ، والتظلم منه .
روي أنّ رجلا ضاف قوما فلم يطعموه فاشتكاهم فعوتب عليه فنزلت . وقرئ من ظلم على البناء للفاعل ، فيكون الاستثناء منقطعا أي ، ولكن الظالم يفعل ما لا يحبه اللّه
وَكانَ
شرح
تفد الترتيب لكن تقديم ما ليس مقدما لا يليق بالكلام الفصيح فضلا عن المعجز ، ولذا تراهم يذكرون لما يخالفه وجها ، ونكتة ، وهي هنا ما ذكره المصنف رحمه اللّه كغيره ، وتوضيحه أنّ العارف باللّه أبا إسماعيل الأنصاري قال الشكر في الأصل اسم لمعرفة النعمة لأنها السبيل إلى معرفة المنعم ، وله ثلاث درجات لأنه إذا نظر إلى النعمة كالخلق والرزق ينبعث منه شوق إلى معرفة المنعم ، وهذه الحركة تسمى باليقظة ، والشكر القلبي ، والشكر المبهم لأن منعمه لم يتضح له تعييبه ، وإنما عرف منعما ما فهو مبهم عليه فإذا تيقظ لهذا وفق لنعمة أرفع منها ، وهي المعرفة بأنّ المنعم عليه هو الصمد الواسع الرحمة المثيب المعاقب فتتحرك جوارحه لتعظيمه ، ويضيف إلى شكر الجنان شكر الأركان ، ثم ينادي على ذلك الجميل باللسان فالمذكور في الآية هو الشكر المبهم ، وهو مقدم على الإيمان . قوله : ( مثيبا يقبل اليسير الخ ) قال الإمام الشاكر في وصفه تعالى بمعنى كونه مثيبا على الشكر ، وقوله : عليما أي هو عالم بجميع الجزئيات ، والكليات فلا يعزب عن علمه شيء فيوصل الثواب كاملا إلى الشاكر . قوله : ( لا يحب اللّه الجهر بالسوء ) قال الطيبي لما فرغ من إيراد بيان رحمته وتقرير إظهار رأفته جاء بقوله : لا يحب اللّه الجهر بالسوء تتميما لذلك ، وتعليما للعباد التخلق بأخلاق اللّه .
( قلت ) الظاهر أنه لما ذكر الشكر على وجه علم منه رضاه به ، ومحبة إظهاره تممه بذكر ضده فكأنه قال إنه يحب الشكر وإعلانه ، ويكره السوء ، وما ذكره لا محصل له ، ولا تتم به المناسبة ، وفيه احتباك بديع . قوله : ( الأجهر من ظلم بالدعاء الخ ) اختلف في هذا الاستثناء على وجوه منها ما ذكر هنا أنه متصل بتقدير مضاف مستثنى من الجهر ، ومما لا حاجة إليه ما قيل إنه تعالى لا يحب الدعاء الخفيّ أيضا على غير الظالم فتخصيص الجهر لا داعي له إلا سبب النزول المذكور لأنّ الدعاء الخفيّ على غير ظالم لا يصدر من عاقل إذ الدعاء إمّا للتشهي أو لرجاء القبول ، وكلاهما غير متصوّر فيه وإنما ذكرنا هذا لتقيس عليه أخواته مما تركناه ، وقوله : ضاف بمعنى نزل عليهم ضيفا ، ومصدره الضيافة ، أمّا ما يفعله رب المنزل فهو الإضافة مصدر أضاف ، ولذا قيل إنّ استعمال الضيافة بمعنى الإضافة غلط وقوله : ( وروي الخ ) هذا حديث أخرجه عبد الرزاق ، وابن جرير عن مجاهد مرسلا . قوله : ( وقرئ من ظلم على البناء للفاعل الخ ) على هذه القراء الاستثناء منقطع ، والمعنى لكن الظالم يحبه ، وقدّره المصنف رحمه اللّه يفعل ما لا يحبه اللّه ، وهو بيان لمحصل المعنى ، ومراده أنّ الظالم يحبه فيفعله ، وله تقديرات أخر ، وهو منصوب ، وترك ما ذكره الزمخشريّ من أنه منقطع مرفوع بالإبدال من فاعل