فحنت إلى الولد ، وتمنته فقالت : اللهم إن لك عليّ نذرا إن رزقتني ولدا أن أتصدّق به على بيت المقدس فيكون من خدمه فحملت بمريم ، وهلك عمران ، وكان هذا النذر مشروعا في عهدهم للغلمان فلعلها بنت الأمر على التقدير أو طلبت ذكرا
مُحَرَّراً
معتقا لخدمته لا أشغله بشيء أو مخلصا للعبادة ، ونصبه على الحال
فَتَقَبَّلْ مِنِّي
ما نذرته
إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
لقولي ونيتي
فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى
الضمير لما في بطنها ، وتأنيثه لأنه كان أنثى وجاز انتصاب أنثى حالا عنه لأنّ تأنيثها علم منه فإنّ الحال وصاحبها بالذات
شرح
بامرأة عمران في الآية أمّ مريم هذه وزوجته وفي نسخة أنه المراد وزوجته . قوله : ( وتردّه كفالة زكريا ) أي يردّ هذا القول قوله تعالى ، وكفلها زكريا فإن زكريا في عصر عمران بن ماثان لا عمران بن يصهر وتزوّج زكريا إيشاع بنت عمران بن ماثان أخت مريم فيكون عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريا ابني خالة لأب كما ورد في الحديث « 1 » الصحيح ، وإنما كانتا لأب لأنهما بنتا عمران لكن مريم من حنة وإيشاع من غيرها لما ذكر أنّ حنة كانت عاقرا حتى صارت عجوزا ، ثم حملت بمريم وإيشاع كانت أكبر سنا من مريم لكن ما سيأتي من أن زكريا قال : أنا أحق بها عندي خالتها يدل على أنها خالتها فمنهم من وفق بينهما بأن حنة وإيشاع بنتا فاقوذا فمريم بنت أخت إيشاع وبنت الأخت يطلق عليها أخت إطلاقا متعارفا فيكونان ابني خالة مجازا ، ومنهم من قال : كان عمران تزوّج أم حنة فولدت له إيشاع وكانت حنة ربيبته فتزوّجها ، وكان ذلك جائزا في شريعتهم فولدت مريم فتكون إيشاع أخت مريم من الأب وخالتها أيضا لكن أورد عليه أنّ الأوّل مجردّ احتمال لا رواية فيه والثاني لا يصح مع قوله إن إيشاع بنت عمران . قوله :
( روي أنها كانت عاقرا ) أي حنة وخدم بفتحتين جمع خادم كتبع ، وهو جمع نادر ، ونذر تحرير الأولاد في شرعهم مخصوص بالذكور وبعد هذه القصة جاز بالبنات أيضا فما في بطني بمعنى إن كان ذكرا على تقدير العرف ، وتعيينه فيه أو أنها طلبته ، ودعت أن يكون ذكرا فيكون المعنى رب إني نذرت لك ما في بطني فاجعله ذكرا على حدّ أعتق عبدك عني ، وقيل : إنّ هذه الرواية تنافي ظاهر النص يعني قوله رب إني نذرت لك ما في بطني فلذا مرّضه بقوله : روي وهو مدفوع بأن المراد كنت نذرت أو نذرت ما سيكون في بطني . قوله : ( محرّرا معتقا الخ ) التحرير من الحرّية وهي ضربان أن لا يجري عليه حكم السبي ، وأن لا تتملكه الأخلاق الرديئة والرذائل الدنيوية وإلى هذين المعنيين أشار المصنف ، وهما تفسيران مرويان عن السلف ، وقد أشار إلى
هامش
( 1 ) أخرجه الحاكم 3 / 166 - 167 وابن حبان 6959 والطبراني 2610 وأبو نعيم 5 / 71 من حديث أبي سعيد « الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة ، إلا ابني الخالة عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريا » قال الحاكم : قد صح من أوجه كثيرة ، وأنا أتعجب أنهما - أي الشيخان - لم يخرجاه اه وتعقبه الذهبي بقوله : الحكم - بن عبد الرحمن - فيه لين اه وقد صح في حديث الإسراء « . . . فإذا أنا بابني الخالة عيسى ويحيى » .