ويكشف الحجب عن قلوبكم بالتجاوز عما فرط منكم فيقربكم من جناب عزه ، ويبوّئكم في جوار قدسه عبر عن ذلك بالمحبة على طريق الاستعارة أو المقابلة
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
لمن تحبب إليه بطاعته ، واتباع نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم روي أنها نزلت لما قالت اليهود نحن أبناء اللّه وأحباؤه ، وقيل نزلت في وفد نجران لما قالوا إنما نعبد المسيح حبا للّه وقيل في أقوام زعموا على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنهم يحبون اللّه سبحانه وتعالى ، فأمروا أن يجعلوا لقولهم تصديقا من العمل
قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا
يحتمل المضيّ ، والمضارعة بمعنى فإن تتولوا
فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ
لا يرضى عنهم ، ولا يثني عليهم ، وإنما لم يقل فلا
شرح
طاعته وخدمته أو ثوابه وإحسانه وأمّا محبة اللّه العباد فعبارة عن إرادة إيصال الخيرات والمنافع في الدين والدنيا إليهم ، وهما مجاز من باب إطلاق الملزوم على اللازم أو استعارة تبعية شبه إرادة العباد اختصاصه تعالى بالعبادة ، ورغبتهم فيها بميل قلب المحب إلى المحبوب ميلا لا يلتفت إلا إليه وقد اغترّ بهذا صاحب الكشاف حتى طعن على من ادّعى محبة ذات اللّه بما لا يليق صدوره عن عاقل ، وأمّا العارفون فقالوا : إنّ العبد يحب اللّه لذاته وأمّا محبة ثوابه فدرجة نازلة قال الغزالي رحمه اللّه تعالى : المحبة عبارة عن ميل النفس إلى الشيء المستلذ فإذا قوي ذلك سمي عشقا ، والبغض نفرة الطبع عن المؤلم فإن زاد سمي مقتا ولا يظنّ أن الحب مقصور على المحسوس وهو سبحانه لا يدرك بالحواس ولا يتمثل في الخيال فلا يحب لأنه عليه الصلاة والسّلام سمى الصلاة قرّة عين وجعلها أبلغ المحبوبات وليس للحواس فيها حظ بل حس البصيرة الباطنة أقوى من البصر الظاهر ، القلب أشدّ إدراكا من العين ، وجمال المعاني المدركة بالعقل أعظم من جمال الصور الظاهرة للأبصار فيكون لا محالة لذة القلوب بما تدركه من الأمور الشريفة الإلهية التي يجل عن أن تدركها الحواس أتم وأبلغ فميل الطبع السليم والعقل الصحيح إليه أقوى ولا معنى للحب إلا الميل إلى ما فيه إدراك لذة فلا ينكر حب اللّه إلا من قيده القصور في مربط البهائم ، نعم هذا الحب يستلزم الطاعة كما قال الورّاق رحمه اللّه :تعصي الإله وأنت تظهر حبه * هذا لعمري في القياس بديعلو كان حبك صادقا لأطعته * إنّ المحب لمن يحب مطيعوهذا معنى قول المصنف بحيث يحملها الخ فإنه يشير إلى أن ما ذكره المتكلمون نظرا إلى الظاهر ، والتفاسير المذكورة في كلامهم كالإرادة تفسير باللازم ، وقوله من اللّه أي حدوثه منه وباللّه أي بقاؤه به وإلى اللّه أي مآله ومرجعه إليه ، والحب للّه أي لأجله أو المختص به وفي اللّه أي مرضاته وهما متقاربان وهو إشارة إلى مرتبة الحب الصرف الذي لم يمتزج مشربه في زجاجة كأنها كوكب درّي ، وهي التي بها العقول سكارى وما هي بسكارى :على نفسه فليبك من ضاع عمره * وليس له منها نصيب ولا سهموالقطرة تغني عن الغدير . قوله : ( جواب للأمر الخ ) والكلام في إن جازمه الأمر أو