تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 344

مساهمون:

ص٣٤٤
فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ
فدوموا على الذكر في جميع الأحوال ، أو إذا أردتم أداء الصلاة واشتدّ الخوف ، فأدّوها كيفما أمكن قياما مسايفين ومقارعين وقعودا مرامين وعلى جنوبكم مثخنين
فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ
سكنت قلوبكم من الخوف
فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ
فعدّلوا واحفظوا أركانها وشرائطها ، وأتوابها تامّة
إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً
فرضا محدودا لأوقات لا يجوز إخراجها عن أوقاتها في شيء من الأحوال ، وهذا دليل على أنّ المراد بالذكر الصلاة ، وأنها واجبة الأداء حال المسايفة ، والاضطراب في المعركة وتعليل للأمر بالإيتاء بها كيفما أمكن ، وقال أبو حنيفة رحمه اللّه تعالى : لا يصلي المحارب حتى يطمئنّ
وَلا تَهِنُوا
ولا تضعفوا
فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ
في طلب الكفار بالقتال
إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ
إلزام لهم ، وتقريع على التواني فيه بأنّ ضرر القتال دائر بين الفريقين غير مختص بهم ، وهم يرجون من اللّه بسببه من إظهار الدين واستحقاق الثواب ما لا يرجو عدوّهم فينبغي أن يكونوا أرغب منهم في الحرب وأصبر عليها وقرئ أن تكونوا بالفتح بمعنى ولا تهنوا ، لأن تكونوا تألمون ويكون قوله :
فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ
علة للنهي عن الوهن ، لأجله والآية نزلت في بدر الصغرى
وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً
بأعمالكم وضمائركم
حَكِيماً
فيما يأمر وينهي
إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ
نزلت في طعمة بن أبيرق من بني ظفر سرق
شرح
الأمر ، والنهي أن تكون للتعليل وتغني غنى الفاء ، وهو لا يظهر هنا أشار إلى توجيهه بأنه لدفع الوهم الناشئ من الأمر قبله لتقوي قلوبهم ويعلموا أن التحرز في نفسه عبادة كما أنّ النهي عن إلقاء النفس في التهلكة لذلك لا للمنع عن الإقدام على الحرب ، ولذا فسر العذاب بمغلوبية العدوّ ، وقتلهم ليتم به الالتئام ، وقوله : فيتوكلوا إشارة إلى أنّ ما ذكر لا ينافي التوكل كما في الحديث أعقلها وتوكل . قوله : ( أديتم وفرغتم منها ) هذا التفسير على مذهب أبي حنيفة رحمه اللّه من أنه لا يصلي حال المحاربة فالقضاء بمعنى الأداء قال الأزهريّ : القضاء على وجوه مرجعها إلى انقطاع الشيء ، وتمامه فكل ما أحكم عمله ، وأتم وختم أو أدى أو أوجب أو أعلم أو أنفذ أو أمضى فقد قضى فهو مشترك بين هذه المفهومات ، وقوله : ( أو إذا أردتم ) الخ تفسير له على مذهبه من الصلاة حال المحاربة ، والمسايفة بالفاء مفاعلة من السيف أي المقاتلة به ، والمقارعة المقاتلة بالرماح والمراماة بالسهام ، ومثخنين بمعنى مجروحين مثقلين بالجراح من أثخنه المرض أثقله وأوهنه . قوله : ( فعدّلوا واحفظوا الخ ) ليس المراد بإقامة الصلاة إعادتها كما هو أحد قولي الشافعيّ ، وعلى القول الآخر فسرت الإقامة بالإعادة . قوله : ( فرضا محدودا لأوقات الخ ) يعني كتابا بمعنى مكتوبا مفروضا وموقوتا محدودا ووجه الدلالة على أنّ المراد بالذكر الصلاة لا ظاهره كما هو تفسير أبي حنيفة رحمه اللّه أنه تعليل للأمر بالذكر فلو لم يكن بمعنى الصلاة لم يلتئم ، وكونها واجبة يؤخذ من كتابتها فإنها بمعنى الفريضة ، وهي والواجب بمعنى عنده . قوله : ( إلزام لهم وتقريع الخ ) وهو من بليغ النظام ، وقد وقع مثله في كلامهم ،
حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 344 | أحمد بن محمد الخفاجي / عبد الرزاق المهدي