الناس في بدر الصغرى إلى الخروج فكرهه بعضهم فنزلت فخرج عليه السّلام ، وما معه إلا سبعون لم يلو على أحد وقرئ لا تكلف بالجزم ولا نكلف بالنون على بناء الفاعل أي لا نكلفك إلا فعل نفسك لا أنا لا نكلف أحدا إلا نفسك لقوله
حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ
إذ ما عليك في شأنهم إلا التحريض
عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا
يعني قريشا ، وقد فعل بأنّ ألقى في قلوبهم الرعب حتى رجعوا
وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً
من قريش
وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا
تعذيبا منهم ، وهو تقريع ، وتهديد لمن لم يتبعه
مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً
راعى بها حق مسلم ودفع بها عنه ضرا أو جلب إليه نفعا ابتغاء لوجه اللّه تعالى ومنها الدعاء لمسلم قال عليه الصلاة والسّلام : « من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب استجيب له وقال له الملك : ولك مثل ذلك »
يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها
وهو ثواب الشفاعة والتسبب إلى الخير
شرح
مقدّر ، وقوله : إلا فعل نفسك لأنّ التكليف يكون بالأفعال لا بالذوات ، وقوله : لا يضرّك الخ .
إشارة إلى أنه مجاز أو كناية عن عدم ضرر ذلك فلا يرد أنه مأمور بتكليف الناس فكيف هذا ، وقيل : إنه كان مأمورا بأن يقاتل وحده أولا ، ولهذا قال الصدّيق رضي اللّه تعالى عنه في أهل الردّة أقاتلهم وحدي ، ولو خالفتني يميني لقاتلتها بشمالي وليس كذلك ، وبدر الصغرى كانت غزاة بعد أحد خرجوا لمواعدة أبي سفيان رضي اللّه تعالى عنه ، ولم يكن فيها قتال والقصة مروية عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما ، ولم يلو على أحد لم ينظره كما في الأساس ، وقراءة الجزم قيل فيها إنه مجزوم في جواب الأمر ، وهو بعيد ، والظاهر أنّ لا للنهي جازمة أي لا تكلف أحد الخروج إلا نفسك ، وعلى قراءة النون المعنى ما ذكره . قوله : ( فخرج عليه السّلام وما معه إلا سبعون الخ ) قال البقاعي الذي في السير أنهم كانوا ألفا وخمسمائة ، وما ذكره المصنف غلط تبع فيه الزمخشري ، ولم ينبه عليه أحد من أصحاب الحواشي اللهم إلا أن يقال إنه أراد الركبان منهم ، وهو محتاج إلى النقل أيضا . قوله : ( لا أنا لا نكلف أحدا إلا نفسك ) يعني أنّ نفسك مفعول ثاني بتقدير مضاف لا في موقع المفعول الأوّل أي لا نكلف أحدا إلا نفسك ، ولا مانع منه أيضا أي لا نكلف أحدا هذا التكليف إلا نفسك ، والمراد من التكليف مقاتلته وحده ، ولذا وقع في نسخة أو لا يضرّك مخالفتهم لأنا لا نكلف الخ .
والتحريض الحث من الحرض ، وهو ما لا تعبد به ، والتفعيل فيه للسلب ، والإزالة كقذيته وتفسير الذين كفروا بقريش لأنه المرويّ ، والمراد العموم ، وعسى من اللّه تحقيق ، وقد فعل ، والبأس النكاية كالبؤس ، والتنكيل التعذيب ، وأصله التعذيب بالنكل ، وهو القيد فعمّ ، والمقصود التهديد أو التشجيع . قوله : ( راعى بها حق مسلم الخ ) فسر كون الشفاعة حسنة بما ذكره وأدرج فيها الدعاء لأنه شفاعة معنى عند اللّه ، وخص كونها بالغيب لأنه ادعى للإخلاص ، وظهر مقحم للتأكيد والحديث المذكور رواه مسلم « 1 » وغيره . قوله : ( وهو ثواب الشفاعة الخ )
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم 2732 من حديث أبي الدرداء .