على ما دل عليه الاستقراء لنقصان القوّة البشرية ولعلّ ذكره هاهنا للتنبيه على أنّ اختلاف ما سبق من الأحكام ليس لتناقض في الحكم بل لاختلاف الأحوال في الحكم ، والمصالح
شرح
غير ملتئم فلما تجاوب كله بلاغة معجزة فائتة لقوي البلغاء ، وتناصر صحة معان ، وصدق أخبار علم أنه ليس إلا من عند قادر على ما لا يقدر عليه غيره عالم بما لا يعلمه أحد سواه .
قال بعض المدققين حدّ الإعجاز مرتبته لا نهايته كما في عبارة المفتاح إذ لو كان بمعنى نهايته لم يصح قوله يمكن معارضته ، وأورد عليه أنّ قوله فكان بعضه بالغا حدّ الإعجاز يفيد ثبوت قدرة غيره تعالى على الكلام المعجز ، وأجيب بأنه جعل اللازم على كونه من عند غير اللّه قصور البعض عن حدّ الإعجاز على سبيل التنزل وإرخاء العنان ، وهو من الطريق المنصف كما في الكشف ، ويحتمل أنه من التعليق بالمحال للإلزام ، وبهذا يندفع أن الكثرة في النظم صفة الاختلاف والاختلاف صفة الكل ، وقد جعل الكثرة صفة المختلف ، والاختلاف صفة الكثير ، وذلك لأنه جعل اللازم كون الكثير مختلفا على سبيل التنزل ، وإرخاء العنان ، وحمل نسبة الكثرة إلى الكل في ظاهر النظم على معنى اختلاف كثير ، ونفي كلام المصنف ما يخالفه في ذلك كما قيل ، وسيأتي تحقيقه ، وبهذا اندفع قول النحرير ظاهر النظم أنّ الكثرة صفة الاختلاف ، وقد جعلها صفة للمختلف من غير ضرورة فإن كون البعض مخالفا للبعض صفة الكل ، ولا معنى لتخصيصه بالكثير منه ، وإنّ قوله فكان بالغا الخ على تقدير كون القرآن من عند غير اللّه مشكل يفضي إلى جواز ظهور المعجزة على يد الكاذب بل ربما يقدح في إعجاز القرآن حيث جاز للغير ، ولو بحسب الاتفاق الإتيان بما هو في مرتبته من البلاغة ، وهو طرفها الأعلى ، وما يقرب منه على ما هو حدّ الإعجاز ، ولا محيص سوى أن يحمل على الفرض ، والتقدير أي لو كان فيه مرتبة الإعجاز ففي البعض خاصة على أن يكون ذلك القدر مأخوذا من كلام اللّه كما في الاقتباس ونحوه ، ولا يخفى بعده ، وقوله : بعض أخباره المستقبلة خص المستقبلة لأنّ المعجز الأخبار عن المغيبات فلا يرد ما قيل الأولى ترك التقييد .
( وأنا أقول ) لما كان محصل كلام العلامة أنّ المراد بالاختلاف الاختلاف في الإعجاز وعدمه ، وهو اختلاف في أمرين لم يكن الاختلاف كثيرا بل المختلف فلذا أوّل به ، والمصنف رحمه اللّه أشار إلى أنّ الاختلاف بالتناقض ، وتفاوت النظم والفصاحة ، وعدمها ، وسهولة المعارضة وصعوبتها ، والمطابقة للخارج وعدمها ، والموافقة للعقل ، وعدمها فعدّد أنواعا منه إشارة إلى أنّ الكثرة في الاختلاف نفسه لا في المختلف لأنه لا داعي إليه كما مرّ لكن عدم الاختلاف فيما ذكره لا يدل على كونه من عند اللّه لجواز صدور كلام غير معجز ليس فيه شيء من هذا الاختلاف عن البشر كالأحاديث النبوية فلا يتضح الاستدلال الواقع في النظم ، ولهذا حصره الزمخشريّ فيما مرّ ليكون دليلا واضحا وقد شعر بهذا ، وحاول دفعه بأنه وإن جاز مثله لكن الاستقراء دل على خلافه ، وفيه نظر والاستقراء غير تام . قوله : ( للتنبيه على أنّ اختلاف ما سبق من الأحكام الخ ) جواب عن توهم أنّ النسخ فيه اختلاف مثل قوله : قبيل هذا كفوا أيديكم