سبحانه وتعالى
ما أَصابَكَ
يا إنسان
مِنْ حَسَنَةٍ
من نعمة
فَمِنَ اللَّهِ
أي تفضلا منه فإن كان ما يفعله الإنسان من الطاعة لا يكافئ نعمة الوجود ، فكيف يقتضي غيره ولذلك قال عليه الصلاة والسّلام : « ما أحد يدخل الجنة إلا برحمة اللّه تعالى قيل : ولا أنت قال : ولا أنا »
وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ
من بلية
فَمِنْ نَفْسِكَ
لأنها السبب فيها لاستجلابها بالمعاصي ، وهو لا ينافي قوله سبحانه وتعالى :
قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
فإن الكل منه إيجادا ، وإيصالا غير أنّ الحسنة إحسان ، وامتنان والسيئة مجازاة وانتقام ، كما قالت عائشة رضي اللّه تعالى عنها : ما من مسلم يصيبه وصب ولا نصب ، حتى الشوكة يشاكها ، وحتى انقطاع شسع نعله ، إلا بذنب ، وما يعفو اللّه أكثر والآيتان كما ترى لا حجة فيهما لنا وللمعتزلة
وَأَرْسَلْناكَ
شرح
لا يفهمون أو المراد كل ما حدث ، وقرب عهده كالحادث كما فسره به الراغب فالمراد أنهم لا يعقلون صروف الدهر وتغيره حتى يعلموا أنّ له فاعلا حقيقيا بيده جميع الأمور . قوله : ( يا إنسان الخ ) يعني أنّ الخطاب عام لكل من يقف عليه لا للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كقوله :إذا أنت أكرمت الكريم ملكتهويدخل فيه المذكورون دخولا أوليا وفسر من اللّه بالتفضل المذكور لما ذكره وقد مر ما قاله الراغب فيه ، والحديث المذكور أخرجه الشيخان . قوله : ( لأنها السبب الخ ) فظهر اختلاف جهتي نفي السيئة وإثباتها من حيث الإيجاد والسبب وإلى الأوّل ينظر قوله : كل من عند اللّه أن يبسط ويقبض ، وإلى الثاني قوله : لأنها السبب ، وقوله الحسنة إحسان وامتنان ، وهي أحسن ، وفي نسخة امتحان أي امتحان بها لينظر هل يشكر أم يكفر ويبطر ، ولا ينافي أن يكون في النقمة أيضا امتحان بأن يصبر أولا لكن المنظور إليه المجازاة كما صرح به في الحديث ، والمراد بالسبب ما يوجد الشيء عنده بإرادته ، وخلقه فهو سبب عادي ، والحسنة لما كانت تارة بسبب ما يصدر عنه من الجميل ، وتارة بمحض التفضل لم تسند إلى سببها ، والمراد بالمعاصي ما يشمل الهفوات . قوله : ( ما من مسلم يصيبه وصب ولا نصب الخ ) الوصب المرض ، والنصب المشقة والتعب أو الداء ، والحديث المذكور أدخل فيه حديثا آخر لما أخرجه الشيخان عن عائشة مرفوعا « 1 » « ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر اللّه بها عنه حتى الشوكة يشاكها » « 2 » وأخرج البخاريّ عن أبي سعيد الخدريّ رضي اللّه عنه قال : « ما يصيب المؤمن من نصب ولا وصب حتى الشوكة يشاكها إلا كفر اللّه من خطاياه » « 3 » وأخرج الترمذي عن أبي موسى رضي اللّه عنه أنه عليه الصلاة والسّلام قال : لا يصيب عبدا نكبة فما فوقها أو ما دونها إلا
هامش
( 1 ) زيادة يقتضيها السياق .
( 2 ) أخرجه البخاري 5640 ومسلم 2572 وأحمد 6 / 88 والترمذي 965 وابن حبان 2925 عن عائشة مرفوعا .
( 3 ) أخرجه البخاري 5641 و 5642 ومسلم 2573 والترمذي 966 وأحمد 3 / 61 .