تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 307

مساهمون:

ص٣٠٧
وإنما ذكر الولدان مبالغة في الحث ، وتنبيها على تناهي ظلم المشركين بحيث بلغ أذاهم الصبيان ، وأنّ دعوتهم أجيبت بسبب مشاركتهم في الدعاء حتى يشاركوا في استنزال الرحمة ، واستدفاع البلية ، وقيل المراد به العبيد والإماء وهو جمع وليد
الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً
فاستجاب اللّه دعاءهم بأن يسر لبعضهم الخروج إلى المدينة ، وجعل لمن بقي منهم خير ، وليّ وناصر ، ففتح مكة على نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فتولاهم ونصرهم ، ثم استعمل عليهم عتاب بن أسيد فحماهم ونصرهم حتى صاروا أعز أهلها والقرية مكة والظالم صفتها وتذكير لتذكير ما أسند إليه ، فإنّ اسم الفاعل أو المفعول إذا جرى على غير من هو له كان كالفعل يذكر ويؤنث على حسب ما عمل فيه
الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
فيما يصلون به إلى اللّه سبحانه وتعالى
وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ
فيما يبلغ بهم إلى الشيطان
فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ
لما ذكر مقصد الفريقين أمر أولياءه أن يقاتلوا أولياء الشيطان ثم شجعهم بقوله :
إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً
أي إن كيده للمؤمنين بالإضافة إلى كيد اللّه سبحانه ، وتعالى للكافرين ضعيف لا يؤبه به ، فلا تخافوا أولياءه ، فإنّ اعتمادهم على أضعف شيء وأوهنه
شرح
بصيغة المجهول أي وردت السنة باشتراكهم في الدعاء لاستنزال الرحمة على الاستسقاء واستدفاع البلاء كالوباء والقحط لأنه أمر بإخراج الصبيان فيه قيل والآية تدل على صحة إسلام الصبيّ إذ لولاه لما وجب تخليصهم ، ودفع بأنّ التخليص لا يختص بالمسلمين بل يشمل من يتبعهم ، والولدان على الأوّل جمع وليد ووليدة بمعنى ولد ، وقيل : إنه جمع ولد كورل وورلان وأمّا على كونه بمعنى العبيد ، والإماء فجمع وليد ووليدة بمعنى عبد وجارية على التغليب لأنه ورد بهذا المعنى في اللغة وإن كانت الوليدة غلبت على الجارية . فقوله : وهو جمع وليد كان الظاهر أن يقول ووليدة كما في الكشاف فكأنه اعتبر التغليب في المفرد فتأمّل . قوله : ( فاستجاب اللّه دعاءهم الخ ) إشارة إلى دفع ما يقال إنّ الدعاء إن كان بمجموع الأمرين لم يستجب وإن كان بأحدهما لا على التعيين فالظاهر العطف بأو بأنه على التوزيع فلذا عطف بالواو أو هو لمجموعهما ، والمقصود منه الخلاص وقد حصل وعتاب بالتشديد ابن أسيد بفتح الهمزة ، وكسر السين وكان حين ولاه على مكة ابن ثماني عشرة سنة ، وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رأى أسيدا في الجنة ، وهو مات كافرا فانتبه وقال : « أوّلته بابنه عتاب » « 1 » فشهد له بالجنة وكأنّ الحكمة في ذلك مع وجود كبار الصحابة إظهار عزة الدين وغلبته حتى لا يخشى من أحد فيليها من المؤمنين الكبير والصغير ، وفي الانتصاف في الآية نكتة حسنة ، وهي أن كل قرية ذكرت في القرآن نسب إليها ما لأهلها مجازا كقوله :ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ[ سورة النحل ، الآية : 112 ] الآية وفي هذه عدل إلى الإسناد
هامش
( 1 ) انظر الإصابة لابن حجر 2 / 451 ( 5391 ) .
حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 307 | أحمد بن محمد الخفاجي / عبد الرزاق المهدي