بيده بقوله إنك على كل شيء قدير
تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ
عقب ذلك ببيان قدرته على معاقبة الليل والنهار والموت والحياة وسعة فضله دلالة على أن من قدر على ذلك قدر على معاقبة الذلّ ، والعز وإيتاء الملك ونزعه والولوج الدخول في مضيق وإيلاج الليل ، والنهار إدخال أحدهما في الآخر بالتعقيب أو الزيادة والنقص وإخراج الحيّ من الميت وبالعكس إنشاء الحيوانات من موادّها وإماتتها أو إنشاء الحيوان من النطفة والنطفة منه ، قيل : إخراج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر الميت بالتخفيف
لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ
نهوا عن موالاتهم لقرابة وصداقة جاهلية ونحوهما حتى لا يكون حبهم وبغضهم إلا في اللّه أو عن الاستعانة بهم في الغزو وسائر الأمور الدينية
مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ
إشارة إلى أنهم الأحقاء بالموالاة وأنّ في موالاتهم مندوحة عن موالاة الكفرة
وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ
أي اتخاذهم أولياء
فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ
شرح
وكونه سبب النزول أخرجه ابن جرير رحمه اللّه ، والفرق بفتحتين الخوف وفي الحديث أسرار ولطائف تنظر بعيون الأفكار . قوله : ( والولوج الدخول الخ ) يعني هو حقيقته كما في قوله تعالى :حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ[ سورة الأعراف ، الآية : 40 ] وأمّا هنا فهو إما استعارة للتعاقب أو زيادة زمان النهار في الليل وعكسه بحسب المطالع والمغارب في أكثر البلدان .
قوله : ( نهوا عن موالاتهم الخ ) هذا على قراءة الجزم ظاهر وكذا على الأخرى لأنه نفي في معنى النهي واتخذ بمعنى صير متعدّ إلى اثنين والوليّ بمعنى الموالي من الولي ، وهو القرب يعني لا يراعوا أمورا كانت بينهم في الجاهلية بل يراعوا ما هم عليه الآن مما يقتضيه الإسلام من بغض وحب ، وقوله : أو عن الاستعانة بهم في الغزو كأنه قول للشافعيّ رضي اللّه عنه ومذهبنا وعليه الجمهور إنه يجوز ويرضخ لهم وإنما يستعان بهم على قتال المشركين لا البغاة كذا صرحوا به وما روي عن عائشة رضي اللّه عنها أنها قالت خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لبدر فتبعه رجل مشرك كانت ذا جراءة ونجدة ففرح أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حين رأوه فقال له النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « ارجع فلن أستعين بمشرك » « 1 » فمنسوخ بأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم استعان بيهود بني قينقاع ورضخ لهم واستعان بصفوان بن أمية في هوازن « 2 » لكن بشرط الحاجة والوثوق كذا في كتاب الناسخ والمنسوخ .
قوله : ( إشارة إلى أنهم الأحقاء ) يعني ليس النهي مقيدا بكونه من دون المؤمنين حتى يفهم منه
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم 1817 وأحمد 3 / 67 - 68 وابن أبي شيبة 12 / 395 والدارمي 2 / 233 والترمذي 1558 وابن حبان 4726 من حديث عائشة .
( 2 ) أخرجه أبو داود 3562 والحاكم 2 / 47 وأحمد 3 / 401 و 6 / 365 من حديث صفوان بن أمية وكرره أبو داود 3563 من وجه آخر ، وكلا الإسنادين فيه ضعف . لكن له شاهد أخرجه الحاكم 3 / 48 - 49 والبيهقي 6 / 89 من حديث جابر ، وصححه الحاكم ، ووافقه الذهبي . وله طرق أخرى يتقوى بها ، فهو حديث حسن صحيح ، واللّه أعلم .