والتوفيق والخذلان
بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
ذكر الخير وحده لأنه المقضي بالذات والشرّ مقضي بالعرض إذ لا يوجد شرّ جزئيّ ما لم يتضمن خيرا كليا أو لمراعاة الأدب في الخطاب أو لأن الكلام وقع فيه إذ روي أنه عليه الصلاة والسّلام لما خط الخندق وقطع لكل عشرة أربعين ذراعا وأخذوا يحفرون ظهر فيه صخرة عظيمة لم تعمل فيها المعاول فوجهوا سلمان إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يخبره فجاء فأخذ المعول منه فضربها ضربة صدعتها ، وبرق منها برق أضاء منه ما بين لابتيها لكأن بها مصباحا في جوف بيت مظلم فكبر ، وكبر معه المسلمون ، وقال : « أضاءت لي منها قصور الحيرة كأنّها أنياب الكلاب » ثم ضرب الثانية فقال : « أضاءت لي منها القصور الحمر من أرض الروم » ثم ضرب الثالثة فقال : « أضاءت لي منها قصور صنعاء وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة على كلها فأبشروا » فقال المنافقون : ألا تعجبوا يمنيكم ويعدكم الباطل ، ويخبركم أنه يبصر من يثرب فصور الحيرة ، وإنها تفتح لكم وأنتم إنما تحرفون الخندق من الفرق فنزلت ونبه على أنّ الشرّ أيضا
شرح
ضدّ النصر كما أن الخذلان ضدّ التوفيق . قوله : ( ذكر الخير وحده لأنه المقضيّ بالذات الخ ) هذا ما ذهب إليه المحققون من الحكماء قال : في شرح الهياكل إن الشرّ مقضيّ بالعرض وصادر بالتبع لما أن بعض ما يتضمن الخيرات الكثيرة قد يستلزم الشرّ القليل ، فكان ترك الخيرات الكثيرة لأجل ذلك الشرّ القليل شرا كثيرا فصدر عنك ذلك الخير فلزمه حصول ذلك الشرّ ، وهو من حيث صدوره عنك خير إذ عدم صدوره شرّ لتضمنه فوات ذلك الخير ، فأنت المنزه عن الفحشاء مع أنه لا يجري في ملكك إلا ما تشاء انتهى ، وهذا بناء على الأصلح ، ونحن نقول يفعل ما يشاء من خير وشرّ ولا يسئل عما يفعل فعلى مذهبهم تخصيص الخير لأنه المقصود له بالذات ، وقدمه لظهور الآية فيه أو مراعاة للأدب إذ لم يضف إليه أو لأنّ سبب نزول الآية ما أتى اللّه النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم من البشارة بالفتوح وترادف الخيرات ، وقوله : ( خط الخندق ) أي حفره والخندق معرب كنده ( وقطع لكل عشرة أي عين لهم حفرها ) والمعاول جمع معول بكسر الميم الفأس ، وضمير صدعتها ومنها للصخرة والمستكن للضربة ، وضمير لابتيها للمدينة ، وهما حرّتان يكتنفانها ، والحرّة كل أرض ذات حجارة سود كأنها محترقة من الحرّ واللوب الحوم حول الماء للعطش عند الازدحام ، وقوله : لكانّ جواب قسم ، والحيرة بكسر الحاء المهملة وياء ساكنة وراء مهملة مدينة بقرب الكوفة ، وتشبيه القصور بأنياب الكلاب في صغرها وبياضها وانضمام بعضها إلى بعض مع الإشارة إلى تحقيرها وإن استعظموها وما ذكره في الخندق هو ما وقع في غزوة الأحزاب والحديث بطوله مخرج في الدلائل للبيهقي « 1 » ،
هامش
( 1 ) أخرجه الواحدي في « أسباب النزول » 199 مطولا من حديث عمرو بن عوف المزني ، وإسناده ضعيف لضعف كثير بن عبد اللّه المزني ، وسبب النزول ورد مرسلا عن قتادة أخرجه الطبري 6787 و 6788 وله شواهد أخرى .