الْأَمْرِ مِنْكُمْ
يريد بهم أمراء المسلمين في عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وبعده ، ويندرج فيهم الخلفاء ، والقضاة وأمراء السرية أمر الناس بطاعتهم بعدما أمرهم بالعدل تنبيها على أنّ وجوب طاعتهم ما داموا على الحق وقيل علماء الشرع لقوله سبحانه وتعالى :
وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ
[ سورة النساء ، الآية : 83 ] فإن تنازعتم أنتم وأولو الأمر منكم .
فِي شَيْءٍ
من أمور الدين ، وهو يؤيد الوجه الأوّل إذ ليس للمقلد أن ينازع المجتهد في حكمه بخلاف المرؤوس إلا أن يقال الخطاب لأولي الأمر على طريقة الالتفات
فَرُدُّوهُ
فراجعوا فيه
إِلَى اللَّهِ
إلى كتابه
وَالرَّسُولِ
بالسؤال عنه في
شرح
الغريب ما قيل إنّ ما كافة . قوله : ( يريد به أمراء المسلمين الخ ) اختلف السلف في أولي الأمر المأمور بإطاعتهم فقيل هم أمراء السرايا ، وهو جمع سرية طائفة من الجيش يبلغ أقصاها أربعمائة تبعث إلى العدوّ سموا بذلك لأنهم يكونون خلاصة العسكر ، وخيارهم من الشيء السريّ أي النفيس ووجه التخصيص أنّ في عدم إطاعتهم ولا سلطان ، ولا حاضرة مفسدة عظيمة وقيل : أولو الفقه والعلم ووجه التخصيص أنهم هم الذين يرجعون إلى الكتاب والسنة ، وحمله كثير على ما يعم الجميع لتناول الاسم لهم لأنّ للأمراء أمر تدبير الجيش والقتال ، وللعلماء حفظ الشريعة ، وما يجوز وما لا يجوز فأمر الناس بطاعتهم ما عدلوا بقرينة ما قبله ، وكانوا عدو لأمر مبين موثوقا بديانتهم وأمانتهم ، وقيل : الأظهر أنّ المراد بهم الحكام كالقضاة والأمراء لأنه أمر أولا بالعدل ثم خاطب من له تنفيذ الأمر بذلك ، ورجح بعضهم أنّ المراد العلماء لما قدّمناه ، وقوله : ما داموا على الحق إشارة إلى أنه لا تجب طاعتهم فيما خالف الشرع لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا طاعة لمخلوق في معصية اللّه » « 1 » ولا في المباح أيضا لأنه لا يجوز لأحد أن يحرم ما حلله اللّه ، ولا أن يحلل ما حرمه اللّه ، وبعض الجهلة يظن أنّ طاعة أولي الأمر لازمة مطلقا ، ولو في المباح ، والناس على ما حقق الجصاص على خلافه ، وفي التعبير بأولي الأمر دون الحكام إشعار وقوله : ( لقوله سبحانه وتعالى الخ ) فإنّ العلماء بل المجتهدين هم المستنبطون المستخرجون للأحكام .
قوله : ( أنتم وأولو الأمر منكم الخ ) يعني الخطاب عام للمؤمنين مطلقا ، وخصص الشيء بأمر الدين بدليل ما بعده ووجه التأييد أن للناس ، والعامّة منازعة الأمراء في بعض الأمور ، وليس لهم منازعة العلماء إذ المراد بهم المجتهدون والناس ممن سواهم لا ينازعونهم في أحكامهم ، والمراد بالمرؤس على وزن المفعول العامة التابعة للرائس والرئيس فإذا كان الخطاب في تنازعتم لأولي الأمر على الالتفات صح إرادة العلماء لأن للمجتهدين أن ينازع بعضهم بعضا مجادلة ومحاجة فيكون المراد أمرهم بالتمسك بما يقتضيه الدليل . قوله : ( بالسؤال عنه في زمانه
هامش
( 1 ) هو طرف حديث أخرجه البخاري 7257 ومسلم 1840 وأبو داود 2625 وأحمد 1 / 94 والنسائي 7 / 109 وابن حبان 4567 من حديث علي وله قصة ، وورد من حديث ابن عباس وغيره .