بالأنفس من كان من أهل دينهم ، فإنّ المؤمنين كنفس واحدة جمع في التوصية بين حفظ النفس والمال ، الذي هو شقيقها من حيث إنه سبب قوامها استبقاء لهم ريثما تستكمل النفوس ، وتستوفى فضائلها رأفة بهم ورحمة ، كما أشار إليه بقوله :
إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً
أي أمر ما أمر ونهى عما نهى لفرط رحمته عليكم معناه إنه كان بكم يا أمّة محمد رحيما لما أمر بني إسرائيل بقتل الأنفس ، ونهاكم عنه
وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ
إشارة إلى القتل أو ما سبق من المحرمات
عُدْواناً وَظُلْماً
إفراطا في التجاوز عن الحق ، وإتيانا بما لا يستحقه وقيل أراد بالعدوان التعدي على الغير وبالظلم ظلم النفس بتعريضها للعقاب
فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً
تدخله إياها ، وقرئ بالتشديد من صلى وبفتح النون من صلاه يصليه ، ومنه شاة مصلية ، ويصليه بالياء ، والضمير للّه تعالى أو لذلك من حيث إنه سبب
شرح
وأبو داود وصححه « 1 » وارتكاب ما يؤدي الخ أعم من التهلكة وتفسيره بارتكاب الذلة بعيد وإن كان حسنا كما قال :إذا ما أهان امرؤ نفسه * فلا أكرم اللّه من يكرمهقوله : ( وقيل المراد بالأنفس الخ ) ما قبله على أنّ الأنفس حقيقة والقتل إما حقيقيّ أو مجازي وهذا بالتجوّز في النفس بأن يراد بها غيرهم من أهل الملة لأنهم كشيء واحد فأطلق النفس عليه بطريق التشبيه كما في الحديث : « المؤمنون كالنفس الواحدة إذا لم يعضد تداعي سائره بالحمى والسهر » « 2 » فكأنه قيل لا يقتل بعضكم بعضا ، وهذا وجه حسن اختاره كثير من المفسرين . قوله : ( ريثما ) بالراء المهملة والياء التحتية المثناة والمثلثة بمعنى مقداره وساعته والريث في الأصل مصدر راث بمعنى أبطأ إلا أنهم جعلوه ظرفا كمقدم الحاج قال أبو عليّ رحمه اللّه : في الشيرازيات ، وهذا المصدر خاصة لما أضيف إلى الفعل في كلامهم كقوله :لا يمسك الغيث إلا ريث يرسلهصار مثل الحين والساعة ، ونحوهما من أسماء الزمان وما زائدة بدليل سقوطها في كلامهم كثيرا ويجوز أن تكون مصدرية ، والنفس في هذه الآية ، والمال في التجارة واستبقاء أي طلبا لحياتهم وبقائهم . وقوله : ( تستكمل الخ ) إشارة إلى أنّ البقاء في الدنيا إنما طلب لتكميل النفس ، والاستعداد للبقاء السرمدي . قوله : ( أي أمر ما أمر الخ ) يعني أنه تذييل لجميع ما قبله ، وقوله معناه وقع في نسختي بدون عطف ولعله أو معناه فيكون تذييلا لقوله :وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْلأنه تعالى عظمت رحمته وشفقته عليكم إذ لم يكلفكم قتل الأنفس في التوبة كما كلفه بني إسرائيل . قوله : ( أو ما سبق الخ ) أشار بما إلى وجه إفراده وتذكيره ، وإفراط التجاوز تفسير العدوان ، وإتيان ما لا يستحق تفسير الظلم فلذا عطفه بالواو وأو من سهو الكتاب ، وقد
هامش
( 1 ) كذا وقع للمصنف . والذي صححه إنما هو الحاكم ، ولعله سبق قلم من المصنف رحمه اللّه .
( 2 ) انظر صحيح البخاري 6011 ومسلم 2586 حديث النعمان بن بشير .