اتباع الشهوات الائتمار لها ، وأما المتعاطي لما سوّغه الشرع منها دون غيره ، فهو متبع له في الحقيقة لا لها ، وقيل المجوس ، وقيل اليهود ، فإنهم يحلون الأخوات من الأب وبنات الأخ والأخت
أَنْ تَمِيلُوا
عن الحق
مَيْلًا
بموافقتهم على اتباع الشهوات واستحلال المحرمات
عَظِيماً
بالإضافة إلى ميل من اقترف خطيئة على ندور غير مستحل لها
يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ
فلذلك شرع لكم الشرعة الحنيفية السمحة السهلة ، ورخص لكم في المضايق كإحلال نكاح الأمة
وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً
لا يصبر عن الشهوات ولا يتحمل مشاق الطاعات ، وعن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما ثمان آيات في سورة النساء هنّ خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت هذه الثلاثة
إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ
[ سورة النساء ، الآية : 31 ] و
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ
[ سورة النساء ، الآية : 48 ] و
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ
[ سورة النساء ، الآية : 40 ] و
مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ
[ سورة النساء ، الآية : 123 ] و
ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ
[ سورة النساء ، الآية : 147 ]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ
بما لم يبحه الشرع كالغصب والربا والقمار
إِلَّا أَنْ
شرح
هنا بأن يفعلوا ما يستوجبون به قبول التوبة لتقابل إرادته إرادة أن قيلوا ميلا عظيما فيجب تعاطف الجملتين المشتملتين على تقابل المريد والمراد أعني واللّه يريد أن يتوب عليكم ، ويريد الذين يتبعون الشهوات الخ فلا يكون تكريرا للإرادة الأولى كما ذهب إليه بعضهم مع زيادة تقوي الحكم ، ثم إنه إنما يتمشى على كون ليبين لكم مفعولا كما مرّ وإلا فلا تكرار لأنّ تعلق الإرادة بالتوبة في الأوّل على جهة الغلبة ، وفي الثاني على جهة المفعولية فلا تكرار لاختلاف المتعلقين . قوله : ( يعني الفجرة الخ ) أي الفسقة لأنهم يدورون مع شهوات أنفسهم من غير تحاش عنها فكأنهم بانهماكهم فيها أمرتهم الشهوات باتباعها فامتثلوا أمرها واتبعوها فهو استعارة تمثيلية ، وأمّا المترخص فلم يتبع الشهوات وإنما اتبع الشرع ، وتحليل الأخوات لأب لأنهم لم يجمعهم رحم ، وبنات الأخ والأخت قياسا على بنات العمة والخالة بجامع أن أمّهما لا تحل فكانوا يريدون أن يضلوا المسلمين بما ذكر ، ويقولون لم جوّزتم تلك ولم تجوّزوا هذه ، وبين عظمه لأنّ المراد به الاستحلال . قوله : ( كإحلال نكاح الأمة ) أخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد إنّ مما وسع اللّه به على هذه الأمة جواز نكاح الأمة والنصرانية واليهودية ولم يرخص لغيرهم ، والشرعة بالكسر الشريعة والسمح الجواد وهي سمحة والسهل اللين وهو المراد ، والحنيفية المائلة إلى الصواب كما مرّ . قوله : ( لا يصبر عن الشهوات الخ ) فالضعف معنوي عبارة عما ذكر ، وقوله : ثمان آيات الخ في شرح الكشاف في ثمان لغات ، ثماني بالياء وثمان بحذفها وكسر النون وثمان بإجراء الإعراب على النون ، وقوله : مما طلعت إلى آخره أي من الدنيا وما فيها وهذه الثلاثة أي الآيات من قوله :يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْإلى هنا لما فيها من التيسير والتخفيف عن هذه الأمة ، والتجاوز عن سيئاتها وهو ظاهر ، والقمار بكسر القاف مصدر قامره مقامرة إذا غلبه في رهان شرط فيه المال فأخذه منه وهو حرام معروف .