تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 253

مساهمون:

ص٢٥٣
تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ
استثناء منقطع أي ، ولكن كون تجارة عن تراض غير منهيّ عنه أو اقصدوا كون تجارة وعن تراض صفة لتجارة أي تجارة صادرة عن تراضي المتعاقدين ، وتخصيص التجارة من الوجوه التي بها يحل تناول مال الغير لأنها أغلب ،
شرح
فائدة جليلة : وقع هنا في الكشاف ذكر حديث ما أيس الشيطان لعنه اللّه من بني آدم إلا أن أتاهم من قبل النساء ، وقال النحرير رحمه اللّه : فيه إشكال من جهة دلالته على أنه لا ييأس إلا في حال الإتيان من قبل النساء ، والمقصود العكس وهو أنه لا ييأس البتة في تلك الحال ، والجواب بأنّ التقدير ما فعل الشيطان شيئا عند يأسه من إغواء بني آدم إلا أن أتاهم من قبل النساء ليس دفعا للإشكال بل بيانا لما يعرفه كل أحد من أنه المقصود ، وإن أراد أنّ أيس في معنى ما فعل عند اليأس ، وأتاهم من قبيل تنزيل الفعل منزلة المصدر فلا بدّ من بيان جهة التجوّز ، وقد يجاب بأنّ ما بعد إلا في موقع الوصف لحين محذوف أي ما أيس حينا إلا موصوفا بأنه يأتيهم فيه من قبل النساء فيكون قصرا لزمان اليأس على وصف الإتيان ونفيا أن يكون له زمان ينفك عنه من غير تعرض لنفي اليأس في غيره ودل بحسب المقام على أنّ الإتيان لإزالة اليأس فصار الحاصل أنه كلما أيس أتاهم من قبلهنّ ، والأقرب ما ذكر بعض الأفاضل أنه في موضع الحال وأنّ النفي والاستثناء لما دل على لزوم الثاني للأوّل كالشرط استعمل فيه وأريد أنه كلما أيس من جميع جهات إتيانهم أتاهم من قبل النساء ( أقول ) :سهم أصاب وراميه بذي سلم * من بالعراق لقد أبعدت مرماكلا حاجة إلى ما ذكروه كله مما لا نظير له فإنه تمثيل لشدّة إغواء النساء وانقياد الناس لهنّ بزمام الهوى فالشيطان إذا أيس من إضلال أحد بذاته وفضول نزغاته فلم يقده بحبائل الحيل إلى مهاوي الزلل سلط النساء عليه ليضللنه فإنهنّ حبائل الشيطان كما في الأثر فيفعلن فهو في حال إضلال النساء له آيس من إضلاله بغير واسطتهن ، وكم من مر لا يقبل يلقي بواسطة آخر فيقبله منه من لم يكن قابلا له قبل فإنّ معهن من الحسن شافعا لا يرد ، ومن الكيد ملحا لا تمل ، ولذا قال تعالى : ( إنّ كيدهن عظيم ) مع ما في قوله :إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً[ سورة النساء ، الآية : 76 ] فيكون الاستثناء في الحديث على ظاهره مستثنى من أعم الأحوال والأوقات زمان بأسه من الإغواء بلا واسطة منهنّ فافهمه فإنه بريء من التكلفات بعيد من الشبهات . قوله : ( استثناء منقطع الخ ) أراد أن التجارة لما لم تكن من الباطل لم يجز الاتصال فجعل منقطعا لتخلفه عن اتحاد الحكم بل عن جملة الكلام السابق فتعتبر المخالفة في الحكم ، والمغايرة المعنوية بين الكلامين ليصح الاستدراك وحينئذ إن حمل على استدراك النهي عن المحرم بالإرشاد إلى المحلل يقدر لكن اقصدوا أمر إرشاد لأن لا تأكلوا في معنى لا تقصدوا أكلها وإن حمل على استدراك المؤاخذة المدلول عليها بالنهي ، برفعها لأنّ التجارة مباحة لا مأمور بها قدر ولكن كون تجارة عن تراض منكم غير منهيّ عنه ، والأرجح هو الأوّل لظهور المقابلة ، والمقصود على الوجهين بيان حاصل المعنى لا أنه مرفوع على الأوّل منصوب على الثاني كما
حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 253 | أحمد بن محمد الخفاجي / عبد الرزاق المهدي