ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ
من زمان قريب أي قبل حضور الموت لقوله تعالى :
حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ
[ سورة النساء ، الآية : 18 ] وقوله عليه الصلاة والسّلام : « إن اللّه سبحانه وتعالى يقبل توبة عبده ما لم يغرغر » وسماه قريبا ، لأنّ أمد الحياة قريب لقوله :
قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ
[ سورة النساء ، الآية : 77 ] أو قبل أن يشرب في قلوبهم حبه ، فيطبع عليها فيتعذر عليهم الرجوع ، ومن للتبعيض أي يتوبون في أيّ جزء من الزمان القريب الذي هو ما قبل أن ينزل بهم سلطان الموت أو زين السوء
فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ
وعد بالوفاء بما وعد به ، وكتب على نفسه بقوله إنما التوبة على اللّه
وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً
فهو يعلم بإخلاصهم في التوبة
حَكِيماً
والحكيم لا يعاقب التائب
وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ
سوّى بين من سوّف التوبة إلى حضور الموت من الفسقة ، والكفار ، وبين من مات على الكفر في نفي التوبة للمبالغة في عدم الاعتداد بها في تلك الحالة وكأنه قال : وتوبة هؤلاء وعدم توبة
شرح
كما يقال واجب الوجود وهو ردّ على الزمخشريّ . قوله : ( ملتبسين بها سفها الخ ) إشارة إلى أنه حال وأنّ المراد بالجهل السفه بارتكاب ما لا يليق بالعاقل لا عدم العلم فإن من لا يعلم لا يحتاج إلى التوبة والجهل بهذا المعنى حقيقة واردة في كلام العرب كقوله :فنجهل فوق جهل الجاهليناوحتى ينزع بمعنى يكف ويترك وهو وارد في الأثر عن أبي العالية أنّ أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كانوا يقولون كل ذنب أصابه عبد فهو جهالة . قوله : ( من زمان قريب أي قبل الخ ) أي يتوبون في زمن الحياة الذي هو قريب منه قبل حالة اليأس ، وحملها على التبعيض لا الابتداء كما قيل به لأنها إذا كانت لابتداء الغاية لا تدخل على الزمان على القول المشهور ، والذي لابتدائه مذ ومنذ ، وسلطان الموت حضوره وقوّته وغلبته فهو بالمعنى المصدري أو المراد بقربه أن لا ينهمك فيه ويصر عليه فإنه إذا كان كذلك يبعد عن القبول ، وإن لم يمتنع قبول توبته وقوله : الذي هو ما قبل الخ ناظر إلى الأوّل وما بعده إلى الثاني قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن اللّه سبحانه وتعالى يقبل توبة عبده ما لم يغرغر » « 1 » أصل معنى الغرغرة ترديد الماء في الفم إلى الحلق وغرغرة المريض تردّد الروح في حلقه على التشبيه ، وهو حديث حسن صحيح أخرجه الترمذيّ وابن ماجة وابن حبان والحاكم . قوله : ( وعد بالوفاء الخ ) دفع لتوهم الاستدراك فيه لأنه جعله أوّلا لازما أي الأوّل وعد بتنجيز قبول التوبة ، وهذا بيان لأنّ الوفاء به محقق قيل ويحتمل أنه من المذهب الكلامي كأنه قال : التوبة كالواجب على اللّه ، وما هو كالواجب عليه كائن لا محالة فهو كائن فأولئك يتوب اللّه عليهم كالنتيجة له . قوله : ( سوّى بين من سوّف الخ ) لما كان يختلج في الوهم أنه لا معنى لنفي قبول التوبة بالنسبة إلى من لم يتب ومات على الكفر صرف
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي 3536 وابن ماجة 4253 من حديث ابن عمر ، وله شواهد .