فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ
من غير تأخير عن حدّ البلوغ ، ونظم الآية إنّ الشرطية جواب إذا المتضمنة معنى الشرط والجملة غاية الابتلاء فكأنه قيل ، وابتلوا اليتامى إلى وقت بلوغهم ، واستحقاقهم دفع أموالهم إليهم بشرط إيناس الرشد منهم ، وهو دليل على أنه لا يدفع إليهم ما لم يؤنس منهم الرشد ، وقال أبو حنيفة رحمه اللّه تعالى إذا زادت على سن البلوغ سبع سنين ، وهي مدّة معتبرة في تغير الأحوال إذ الطفل يميز بعدها ويؤمر بالعبادة دفع إليه المال ، وإن لم يؤنس منه الرشد
وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا
مسرفين ومبادرين
شرح
مع وضع اليد على العين إلى قادم ونحوه مما يؤنس به ، ثم عم في كلامهم قال الشاعر :آنست نبأة وأفزعها القناص * عصرا وقد دنا الإمساءأي أحست أو أبصرت كما فسره به أهل اللغة ثم استعير للتبين أي علم الشيء بينا إذ الرشد مما يعلم ولا يبصر وهي استعارة محسوس لمعقول أن أريد بالإيناس تلك الحالة المحسوسة وإن أريد الإبصار فمعقول لمعقول مستلزم لتشبيه الرشد بالشيء المحسوس كذا في شرح الكشاف ، ويمكن تنزيل كلام المصنف رحمة اللّه عليه بأن يكون اقتصر على بيان حقيقته ، ويحتمل أن يكون شبه الرشد المحقق المتبين بالمحسوس المشاهد على طريق الكناية ، ثم أثبت له الإبصار تخييلا ، وقوله : وقرئ أحستم أي بحاء مفتوحة وسين ساكنة وأصله أحسستم بسينين نقلت حركة الأولى إلى الحاء ، وحذفت لالتقاء الساكنين إحداهما على غير القياس ، وقيل إنها لغة سليم وإنها مطردة في عين كل فعل مضاعف اتصل بها تاء الضمير أو نونه والإحساس أيضا على هذه القراءة استعارة . قوله : ( من غير تأخير عن حدّ البلوغ الخ ) التعقيب مأخوذ من الفاء ولم يفسر الرشد ، وهو معرفة التصرّف وحفظ المال عندنا وعند الشافعي صلاح الدين والمال ، وقيل الرشد بالضم في الأمور الدنيوية والأخروية وبالفتح في الأخروية لا غير ، والراشد والرشيد يقال فيهما .
تنبيه : في قواعد ابن عبد السّلام رحمه اللّه : الأحكام مبنية على ظاهر الأمر حتى يظهر ما يبطله ولو شدّد في ذلك بطلت المعاملات ، وهذا يشكل على شرط الشافعي في الرشد حسن التصرّف في المال والصلاح في الدين حتى لا يرتكب كبيرة ، ولا يصرّ على صغيرة بإجماع المسلمين حتى جوزوا معاملة المجهول ، وقبول عتاقه وهداياه وهو يأباه والآية لا تدل على ما ذكر والعجب من قول الإمام في النهاية إذا بلغ الغلام ولم يظهر ما يخالف رشده أبطل حجره اه .
( وفيه بحث ) للفرق بين الولي والناس المعاملين فتأمل . قوله : ( ونظم الآية الخ ) في حتى الداخلة على إذا قولان أشهرهما أنها حرف غاية دخلت على جملة شرطية وهي حرف ابتداء تدخل على الجمل وهو الذي ارتضاه المصنف تبعا للزمخشريّ ، والثاني وهو مذهب الزجاج وبعض النحاة أنها حرف جر وإذا متمحضة للظرفية وليس فيها معنى الشرط ، وقدّر بعضهم في