للمبالغة ، وعدّاه بعن لتضمين معنى التجافي والتجاوز ، وقال منه بعثا لهنّ على تقليل الموهوب
فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً
فخذوه وأنفقوه حلالا بلا تبعة والهنيء والمريء صفتان من هنأ الطعام ، ومرأ إذا ساغ من غير غص أقيمتا مقام مصدريهما أو وصف بهما المصدر أو جعلتا حالا من الضمير ، وقيل : الهنيء ما يلذه الإنسان والمريء ما تحمد عافيته روي أن ناسا كانوا يتأثمون أو يقبل أحدهم من زوجته شيئا مما ساق إليها فنزلت
وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ
شرح
الكلام للدلالة على ذلك ولو قيل عن طيب لوقع فضله وقوله : وعدّاه بعن يعني أصله أن يتعدّى بالباء كقوله :وما كان نفسا بالفراق تطيبلأنه ضمن معنى التجافي ، والتباعد فوصل بصلته فإن قلت الصواب أن يقتصر على التجافي متعدّ بنفسه ولا يتعدّى بعن إلا إذا كان بمعنى المغفرة نحو تجاوز اللّه عن سيئاته قلت إمّا أن يكون مقصوده أنه ضمن معنى التجافي فقط ، والتجاوز بيان لمعناه أو كون التجاوز لا يتعدّى بعن مطلقا غير مسلم عنده ، ولذا استعمله كثير من الفضلاء متعدّيا بها مطلقا ، وقد صرح به الإمام التبريزي في شرح ديوان أبي تمام ، وقوله : بعثا لهنّ على تقليل الموهوب هو يفهم من شيء ، ومن كونه من الصداق لا كله حتى نقل عن الليث رحمه اللّه أنه لا يجوز تبرعها إلا باليسير ولا فرق بين المقبوض وما في الذمة إلا أن الأوّل هبة والثاني إبراء ، ولذلك تعامل الناس على التعويض فيه ليرتفع الخلاف . قوله : ( فخذوه وأنفقوه ) يعني أنّ الأكل عبارة عن التملك كما مرّ ، وفي نصب هنيئا مريئا وجوه أحدها أنه صفة مصدر محذوف أي أكلا هنيئا ، الثاني أنه منصوب على الحال من فاعل كلوه أي مهنا سهلا ، الثالث أنه حال منصوب بفعل مقدّر محذوف وجوبا كقولك أقائما ، وقد قعد الناس وقال الزمخشريّ : قد يوقف على فكلوه ، ويبتدأ هنيئا مريئا على الدعاء ، وعلى أنهما صفتان أقيمتا مقام مصدرين أي هنأ مرأ ورد بأنه تحريف لكلام النحاة فإنّ المصادر الدعائية كسفيا ورعيا لا ترفع الظاهر ، وهذا قد رفعه في قول كثير :هنيئا مريئا غير داء مخامرفإن غير فاعله ورد بأن سيبويه ، قال : هنيئا مريئا صفتان نصبهما نصب المصادر المدعوّ بها بالفعل غير المستعمل إظهاره المختزل لدلالة الكلام عليه ، وفيه تأمّل ومريئا لا يستعمل إلا تابعا لهنيئا وهو صفة له أو منصوب بعينه ، وقيل إنه يجيء غير تابع ، وقد أسقط المصنف رحمه اللّه قول الزمخشريّ : على الدعاء لما مرّ ، ولأنّ الدعاء لا يكون من اللّه حتى أوّلوه فما قيل إنه قصر في تقرير كلام الكشاف سهو ، وقوله : يتأثمون قال النحرير في الصحاح : تأثم تحرّج عن الإثم كف ، وحقيقة تأثم وتحرج تجنب الإثم والحرج ، ولا يخفى عليك حال ما قيل يتأثمون يخرجون من الإثم من تأثم ، خرج من الإثم كتحرّج خرج من لا حرج ، ولا وجه له فإنّ مراده