صغارا أو لغير البلغ والحكم مقيد فكأنه قال وآتوهم إذا بلغوا ويؤيد الأول ما روي أنّ رجلا من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم فلما بلغ طلب المال منه فمنعه فنزلت فلما سمعها العم قال أطعنا اللّه ورسوله نعوذ باللّه من الحوب الكبير
وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ
شرح
قوله : ( أو لغير البلغ والحكم مقيد فكأنه الخ ) رد هذا بأنه قال في التلويح أنّ المراد من قوله تعالى :وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْوقت البلوغ فهو مجاز باعتبار ما كان فإن العبرة بحال النسبة لا مجال التكلم ، فالورود للبلغ على كل حال ، ومثله قول الآخر تقديرا لقيد لا يغني عن التجوّز إذ الحكم على ما عبر عنه بالصفة يوجب اتصافه بالوصف حين تعلق الحكم به وحين تعلق الإيتاء له لا يكون يتيما فلا بد من تأويله بما مرّ .
( قلت ) هذه المسألة وإن كانت مذكورة في التلويح لكنها ليست مسلمة وقد تردّد فيها الشريف في حواشيه ، والتحقيق أنّ في مثله نسبتين ، نسبة بين الشرط والجزاء وهي التعليقية وهي واقعة الآن ولا تتوقف على وجودهما في الخارج ، ونسبة إسنادية في كل من الطرفين وهي غير واقعة في الحال بل مستقبلة ، والمقصود الأولى وفي زمان تلك النسبة كانوا يتامى حقيقة ألا تراهم قالوا في نحو عصرت هذا الخل في السنة الماضية أنه حقيقة مع أنه في حال العصر عصير لا خل لأنّ المقصود النسبة التي هي تبعية فيما بين اسم الإشارة وتابعه لا النسبة الإيقاعية بينه وبين العصير ، كما حققه بعض الفضلاء ، وقد مر تحقيقه في أوائل البقرة فتأمله فإنه من معارك الإفهام ومزالق الإقدام ، وقد ترك المصنف رحمه اللّه تأويل الإيتاء بالحفظ ، وقال في الإنصاف إنه أقوى لقوله بعد آيات :وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَالخ فإنه يدل على أنّ الآية الأولى في الحض على حفظها لهم ليؤتوها عند بلوغهم ورشدهم ، والثانية في الحض على الإيتاء الحقيقي عند حصول البلوغ والرشد ، ويقويه أيضا قوله عقب الأولى :وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِالخ فهذا كله تأديب للوصي ما دام المال في يده ، وأما على التأويل الآخر فمؤدي الآيتين واحد ، لكن الأولى مجملة والثانية مبينة لشرط . قوله : ( ما روي أنّ رجلا من غطفان الخ ) تتمته كما في الكشاف فدفع ماله إليه فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « ومن يوق شح نفسه ويطع ربه هكذا فإنه يحل داره » يعني جنته فلما قبض الفتى ماله أنفقته في سبيل اللّه فقال عليه الصلاة والسّلام :
« ثبت الأجر وبقي الوزر » قالوا : يا رسول اللّه قد عرفنا أنه ثبت الأجر فكيف بقي الوزر وهو ينفق في سبيل اللّه فقال : « ثبت أجر الغلام وبقي الوزر على والده » « 1 » وهذا رواه الثعلبي عن مقاتل والكلبي ووزره بأنّ كسبه من غير حله أو منع حقوق اللّه : أو المراد بالوزر حسابه والأجر إنما يكون إذا لم يكن مغصوبا علم صاحبه ، ووجه التأييد أنها نزلت في البلغ كما ترى وهو الوجه الأول . قوله : ( ولا تستبدلوا الحرام من أموالهم بالحلال من أموالكم الخ ) يعني المراد بالخبيث
هامش
( 1 ) ذكره الواحدي في « أسباب النزول » 291 بدون إسناد عن مقاتل والكلبي ، وهذا مرسل مع كونه بدون إسناد ، وله علة ثالثة : الكلبي هو محمد بن السائب متروك متهم بالكذب . ومقاتل إن كان النبي سليمان المفسر ، فهو كذاب ، وإن كان ابن حيان فهو لين الحديث . وبكل حال لا حجة بهذا الخبر .