تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
جرى مجرى الأسماء كفارس وصاحب جمع على يتائم ، ثم قلب فقيل يتامى أو على أنه جمع على يتمي كأسرى لأنه من باب الآفات ، ثم جمع يتمي على يتامى كأسرى وأسارى والاشتقاق يقتضي وقوعه على الصغار ، والكبار لكن العرف خصصه بمن لم يبلغ وروده في الآية إما للبلغ على الأصل أو الاتساع لقرب عهدهم بالصغر حثا على أن يدفع إليهم أموالهم أوّل بلوغهم قبل أن يزول عنهم هذا الاسم إن أونس منهم الرشد ولذلك أمر بابتلائهم
شرح
مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ[ سورة النساء ، الآية : 6 ] وقوله : الذي مات أبوه هذا أصل معناه لغة لانفراده ، وجمع على يتامى وإن لم يكن فعيل يجمع على فعالى بل على فعال وفعلاء وفعل وفعلى ، نحو كرام وكرماء ونذر ومرضي ، فهو إمّا جمع يتمي جمع يتيم إلحاقا له بباب الآفات والأوجاع فإنّ فعيلا فيها يجمع على فعلى ووجه الشبه ما فيه من الذل والانكسار المؤلم ، وقيل لما فهي من سوء الأدب المشبه بالآفات كما جمع أسير على أسرى ثم على أسارى بفتح الهمزة أو هو مقلوب يتائم فإن فعيلا الاسمي يجمع على فعائل كأقيل وأقائل ، وقل ذلك في الصفات لكن ييم جرى مجرى الأسماء كصاحب وفارس ، ولذا قلما يجري على موصوف ثم قلب ، فقيل يتامى بالكسر ثم خفف بقلب الكسرة فتحة فقلبت الياء ألفا وقد جاء على الأصل في قوله :أأطلال حسن في البراق اليتائمقوله : ( والاشتقاق يقتضي وقوعه الخ ) لانفراده عن أبيه ، وعرف اللغة خصه بمن لم يبلغ ، وفي الكشاف من استغنى عن الكافل ، ومراده البلوغ أيضا لكنه خرج مخرج الغالب ، وإلا يلزم أن يسمى من كبر مجنونا يتيما ، وقد تردد فيه بعضهم لكن جزم النحرير بعدمه ، وأما قوله صلّى اللّه عليه وسلّم « لا يتم بعد البلوغ » « 1 » فليس لتعليم اللغة بل الشريعة فلا يدل على عدم الإطلاق لغة أما عدم الإطلاق شرعا وعرفا فمما لا نزاع فيه ، والآية بظاهرها تقتضي إما إطلاق اليتامى على الكبار أو إثبات الأحكام للصغار ، فاحتاجت إلى التوجيه ، فذهب صاحب الكشاف إلى التجوّز في الإيتاء باستعماله في لازم معناه وهو تركها سالمة لأنها لا تؤتي إلا إذا كانت كذلك ، أو أنّ اليتامى بمعناه اللغوي الأصلي فهو حقيقة ، وارد على أصل اللغة ، فما قيل اللفظ إذا نقل في العرف يكون في أصله مجازا وهو هنا كذلك ، فلا مقابلة بينه وبين الاتساع إلا أنّ العلاقة في الاتساع الكون ، وفي هذا الإطلاق والتقييد غفلة عما تقرّر في المعاني ، أو مجاز باعتبار ما كان أوثر لقرب العهد بالصغر والإشارة إلى وجوب المسارعة إلى دفع أموالهم إليهم حتى كان اسم اليتيم باق بعد غير زائل ، وهذا المعنى يسمى في الأصول بإشارة النص ، وهو إن يساق الكلام بمعنى ويضمن معنى آخر وهذا في الكون نظير المشارفة في الأول ، ومنه علم انقسامهما إلى قسمين ، وفي قوله : قبل أن يزول عنهم هذا الاسم أي قبل أن يتحقق زواله ، وإلا فقبل زواله لا يؤتى .
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود 3873 من حديث علي ، وحسنه الأرناؤوط في جامع الأصول 9264 لشواهد .