تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
الرجال بالكثرة عن وصف النساء بها إذ الحكمة تقتضي أن يكنّ أكثر وذكر كثيرا حملا على الجمع ، وترتيب الأمر بالتقوى على هذه القصة لما فيها من الدلالة على القدرة القاهرة التي من حقها أن تخشى والنعمة الباهرة التي توجب طاعة موليها أو لأن المراد به تمهيد الأمر
شرح
ذلك ، وقوله : ونشر بيان لمعنى بث ، وقوله : بنين وبنات إشارة إلى أنه ليس المراد بالرجال والنساء البالغين والبالغات ، بل الذكور والإناث مطلقا تجوزا ، وقيل إنه في معرض المكلفين بالتقوى ، فلذا ذكر الكبار منهم ، ولو قيل : إنه وجه العدول عن الحقيقة كان وجها حسنا . قوله : ( واكتفى بوصف الرجال بالكثرة الخ ) الاكتفاء يشعر بأنّ النساء موصوفة بها أيضا لكن حذف اكتفاء ونكتة الاكتفاء بكثرتهم عن كثرتهنّ أنه على مقتضى الحكمة لأنهم خير منهنّ جنسا وزيادة الخير خير ، لكن لما كان لكل زوج زوجة فأكثر استدعى ذلك الكثرة فيهنّ خارجا فلا يرد عليه ما قيل بل الحكمة تقتضي أن يكون النساء أكثر ، كما سيجيء في قوله :يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ[ سورة الشورى ، الآية : 49 ] أن تقديم الإناث لكونهنّ لتكثير النسل ، وفي الحديث من أشراط الساعة أن تقل الرجال وتكثر النساء حتى يكون الخمسون امرأة فيهم قيم واحد . وهذا يشهد لما ذكره المصنف رحمه اللّه ، وأيضا للرجل أن يزيد على واحدة ، وهو زهرة لا تحتمل الفرك وتذكيره إما رعاية لصيغة فعيل أو لتأويل موصوفه بالجمع ، أو لأنه صفة مصدر محذوف أي بثا كثيرا ، وأما جعله صفة حين ، كما قيل فتكلف سمج . قوله : ( وترتيب الأمر بالتقوى الخ ) يعني أنّ الاستعمال جار على أن الوصف الذي علق به الحكم علة موجبة له ، أو باعثة عليه داعية إليه ، وهو هنا كذلك لأنّ ما ذكر يدلّ على القدرة العظيمة والنعمة الجسيمة ، والأوّل يوجب التقوى حذرا عن العقاب العظيم ، والثاني يدعو إليها وفاء بالشكر الواجب ، هذا إذا أريد بالاتقاء ما يعم المتعلق بحقوق اللّه والعباد ، ويجوز أن يراد ما يتعلق بحفظ ما بينهم من الحقوق ، وحينئذ يكون خلقهم من أصل واحد علة موجبة لاتقاء اللّه في الإخلال بما يجب حفظه من الحقوق التي بينهم ، وهذا المعنى مطابق لمعاني السورة من رعاية حال الأيتام ، وصلة الأرحام ، والعدل في النكاح ، والإرث ونحو ذلك ، بالخصوص بخلاف الأوّل فإنه إنما يطابقها من حيث العموم فإنّ اتقاء اللّه باجتناب الكفر والمعاصي وسائر القبائح يتناول رعاية حقوق الناس ويؤيده ما رواه مسلم عن جرير رضي اللّه عنه قال كنا صدر النهار عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فجاءه قوم مجتابي النمار أو العباءة متقلدي السيوف من مضر فتمعر وجهه لما رأينا بهم من الفاقة فدخل ثم خرج فأمر بلالا فأذن فقام ثم خطب فقال :« يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ »إلى قوله :« إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً »« 1 » أي عالما بأحوالكم فاحذروه ولا يخفى موقع الخاتمة مما قبلها . وقوله : ( أو لأن المراد الخ ) فالتقوى خاصة وعلى ما قبله عامة ،
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم 1017 والترمذي 2675 والنسائي 5 / 75 وابن ماجة 203 والطيالسي 670 وأحمد 4 / 357 وابن حبان 3308 من حديث جرير بن عبد اللّه مطولا .