وقيل لمن أبصرهم
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ
أي المشتهيات سماها شهوات مبالغة ، وإيماء على أنهم انهمكوا في محبتها حتى أحبوا شهوتها كقوله تعالى :
أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ
[ سورة ص ، الآية : 32 ] والمزين هو اللّه تعالى لأنه الخالق للأفعال ، والدّواعي ، ولعله زينه ابتلاء أو لأنه يكون وسيلة إلى السعادة الأخروية ، إذا كان على وجه يرتضيه اللّه سبحانه
شرح
معجزة للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لما فيها من إراءة القليل كثيرا أو غلبة القليل الكثير ، أو لمطابقتها للغيب الذي أخبر به النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم من نصرهم ، والعبرة ما يعتبر به ويتعظ وجعل الأبصار جمع بصر بمعنى بصيرة استعارة أو بمعناه المعروف . قوله : ( أي المشتهيات الخ ) مناسبة هذه الآية لما قبلها أنه لما ذكر القتال ، وكان كثيرا ما يقع للحظوظ النفسانية أتبعه التنفير عنها حثا لهم على الإخلاص في كل ما يأتون ويذرون وجعلها نفس الشهوات إشارة إلى ما ركز في الطباع من محبتها ، والحرص عليها حتى كأنهم يشتهون اشتهاءها كما قيل لمريض ما تشتهي فقال : أشتهي أن أشتهي ، ولما كان في الإيماء معنى التنبيه عدّاه بعلى تسمحا ، وقيل : الأنسب أنه جعلها شهوة تنبيها على خستها لأنّ الشهوات خسيسة عند الحكماء والعقلاء فالقصد التنفير عنها ، والترغيب فيما عند اللّه كما في الكشاف . قوله : ( والمزين هو اللّه تعالى الخ ) قال السيوطي : هذا أخرجه ابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه وفي الانتصاف « 1 » التزيين للشهوات يطلق ويراد به خلق حبها في القلوب وهو بهذا المعنى مضاف إليه تعالى حقيقة لأنه لا خالق إلا هو ويطلق ، ويراد به الحض على تعاطي الشهوات والأمر به وهو بهذا الاعتبار لا يضاف إلى اللّه إذ هو لا يخص الأعلى المشروع شهوة أو غيرها ، وأمّا الشهوات المحظورة فتزيينها بالمعنى الثاني مضاف إلى الشيطان تنزيلا لوسوسته ، وتحسينه منزلة الأمر بها والحض على تعاطيها وكلام الحسن رحمه اللّه محمول على التزيين بالمعنى الثاني لا بالمعنى الأوّل فإنه يتحاشى أن ينسب خلق اللّه إلى غيره لكن الزمخشريّ كثيرا ما يورد أمثال هذه العبارة المبهمة وينزلها على قواعدهم الفاسدة فتفطن لها ونزه من قالها من السلف الصالح عما يزعمه انتهى ، وكذا الجبائي بناء على قواعدهم جعل التزيين بمعنى الخلق وجعله في المباح للّه ، وفي الحرام للشيطان بناء على أنه ليس مخلوقا للّه لخلق العباد أفعالهم ، ولكن الحق ما عرفت ، وقد صرّح به الإمام الراغب كما مر والمصنف ليس بغافل عنه لكنه نقل كلامهم على ما فهموه فمن قال : المزين في الحقيقة هو الشيطان لأنّ التزيين صفة تقوم به ومن قال : المزين هو اللّه لأنه الخالق للأفعال والدواعي ، فقد أخطأ في المدّعي وما أصاب في الدليل فالمخطئ ابن أمّه وكلا التفسيرين منقولان عن السلف وقد مرّ تحقيقه ومن قال : إنه من قبيل أقدمني بلدك حق لي على فلان فقد تعسف وتصلف ، وقوله : ولعله زينه أي زين ما ذكر ابتلاء للعباد أي معاملة لهم معاملة
هامش
( 1 ) هذا الكتاب حاشية على « الكشاف » ومكرر فيه مؤلفه - أحمد بن المنير المالكي - على الزمخشري مسائل كثيرة ومنها مذهبه في الاعتزال .