تعالى للمؤمنين أو يرى المؤمنون المشركين مثلي المؤمنين ، وكانوا ثلاثة أمثالهم ليثبتوا لهم ، ويتيقنوا بالنصر الذي وعدهم اللّه به في قوله :
فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ
[ سورة الأنفال ، الآية : 6 ] ويؤيده قراءة نافع ، ويعقوب بالتاء ، وقرئ بهما على البناء
شرح
الذين كثر المؤمنون في أعينهم لا اليهود ، ولا يليق بنظم القرآن أن يجعل خطاب ترونهم لغير من له خطاب قد كان لكم ، وفي مثل فئتكم الكافرة إشارة إلى أنّ الصفة للفئة الكافرة المذكورة بطريق الغيبة لا للمخاطبين بترونهم لئلا يلزم الالتفات من الخطاب إلى الغيبة وخطاب ترونهم للمخاطبين بقوله لكم لا للفئة الكافرة لئلا يلزم الالتفات من الغيبة إلى الخطاب وفئة تقاتل في سبيل اللّه وأخرى كافرة في موضع الخبر أي هما فئة تقاتل ، وأخرى كافرة أو البدل من فئتين أو المفعول أو الحال فليست عبارة عن المخاطبين في لكم بحيث يكون مقتضى الظاهر الخطاب ليلزم الالتفات فلا يلتفت إلى قول من زعم أنّ فيه ثلاث التفاتات وهذا مما ردّ به ما مرّ ، وقد تبع فيه المدقق في الكشف وما ذكر من الالتفات سبقه إليه صاحب الانتصاف وتابعه الطيبي وسنبين لك حقيقته وقوله : فلما لاقوهم بالقاف من الملاقاة وروي بالفاء المشدّدة أي خالطوهم من الالتفاف في القتال ، وهو مخالطة الجيشين كما قيل ما تصافوا حتى تلافوا وقوله وذلك كان بعدما قللهم إشارة إلى دفع ما قيل : إنه يناقض قوله في الأنفال ويقللكم في أعينهم بأنهم قللوا أوّلا في أعينهم حتى اجترؤوا عليهم فلما لاقوهم كثروا في أعينهم حتى غلبوا فكان التقليل والتكثير في حالين مختلفين . قوله : ( أو يرى المؤمنون المشركين الخ ) هذا احتمال آخر ولا يرد عليه السؤال السابق في تعارض الآيتين لأنهم كانوا ثلاثة أمثالهم فاراءتهم مثليهم تقليل لهم في الواقع لما قرّر عليه أمرهم من مقاومة الواحد الاثنين في قوله تعالى :فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ[ سورة الأنفال ، الآية : 6 ] بعدما كلفوا أن يقاوم الواحد العشرة في قوله :إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِولهذا أيضا وصف ضعفهم بالقلة لأنه قليل بالإضافة إلى عشرة الأضعاف ، فإن قلت : إنه قال في الكشاف بعدما ذكر هذا وقراءة نافع لا تساعد عليه فكيف يقول المصنف رحمه اللّه تعالى ، ويؤيده قراءة نافع قلت أجيب عن هذا بأنّ الزمخشريّ لما تعين عنده أنّ خطاب قد كان لكم للمشركين كانت قراءة الخطاب في ترونهم على تقدير أنهم المسلمون تفكيكا للنظم فلذا قال إنها غير مساعدة ، وأمّا المصنف رحمه اللّه تعالى فلما جوّز كون الخطاب الأوّل للمؤمنين لم يجعلها غير مساعدة وهذا لا يقتضي أنها مؤيدة خصوصا وقد أخر ذلك الاحتمال ولم يبين أنه مراد على هذا التوجيه أقول الظاهر أنه يريد أنّ الخطاب الواقع في آية الوعد المتقدّمة للمؤمنين يقتضي أنه هنا إنجاز للوعد فيكون معنى قوله لكم آية علامة على ما وعدتم به فاثبتوا ، فالخطاب الأوّل للمؤمنين على أنه ابتداء خطاب في معرض الامتنان عليهم بما سبق الوعد به وهذا معنى لطيف ولا يضرّ كونه خلاف الظاهر لأنه يقتضي مرجوحيته وقد أشار إليه بتأخيره ، وفي الانتصاف إنما قال الزمخشريّ ذلك لأنّ الخطاب على قراءة نافع يكون للمسلمين أي ترونهم يا مسلمين ويكون ضمير المثلين أيضا للمسلمين ، وقد جاء على لفظ الغيبة فيلزم الخروج في جملة واحدة من الحضور إلى الغيبة