وكمال علمه ، وقدرته لذوي العقول المجلوّة الخالصة عن شوائب الحس ، والوهم كما سبق في سورة البقرة ، ولعل الاقتصار على هذه الثلاثة في هذه الآية لأنّ مناط الاستدلال هو التغير أو هذه متعرّضة لجملة أنواعه فإنه إمّا أن يكون في ذات الشيء كتغير الليل والنهار أو جزئه كتغير العناصر بتبدل صورها أو الخارج عنه كتغير الأفلاك بتبدّل أوضاعها ، وعن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها »
الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ
أي يذكرونه دائما على الحالات كلها قائمين ، وقاعدين ومضطجعين ، وعنه عليه الصلاة والسّلام : « من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر اللّه » وقيل معناه يصلون على الهيئات الثلاث حسب طاقتهم لقوله عليه الصلاة والسّلام لعمران بن حصين : « صل قائما
شرح
اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداًالخ وإلى عبودية القلب والروح بقوله :وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِوخصص التفكر بالخلق للنهي عن التفكر في الخالق لعدم الوصول إلى كنه ذاته وصفاته ، ثمّ ذكر الدعاء بعده تعليما لأنّ الدعاء إنما يجدي بعد تقديم وسيلة وهي إقامة وظائف العبودية من الذكر والتفكر فانظر إلى هذا الترتيب ما أعجبه وهذا وجه آخر غير الذي ذكره المصنف رحمه اللّه ولعله أقرب منه فإن ذكره مبني على مذهب الحكماء في إثبات الصورة والهيولى « 1 » والأوضاعه الفلكية المبينة في الهيئة .
قوله : ( لدلائل واضحة الخ ) ووجه الدلالة على وجود الصانع تغيرها المستلزم لحدوثها واستنادها إلى مؤثر قديم وإذا دلت على ذلك لزم منه الوحدة ، ووجه الدلالة على ما بعده اتقان هذه المصنوعات المقتضى له ولكمال القدرة أيضا ويكفي هذا القدر لمن كان على بصيرة من ربه ، وقوله : العقول المجلوّة أخذه من التعبير باللب لأنّ معناه الخالص عن الشوائب وشوائب الحس والوهم وإغلاطه ، وقوله : بتبدل صورها علمت ما فيه وقوله : ( ويل لمن قرأها الخ ) « 2 » أخرجه ابن حبان عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها . قوله : ( يذكرونه دائما على الحالات الخ ) أخذ الدوام من ذكر هذه الأحوال لأنه يفهم منها الدوام عرفا كما لا يخفى ، وقي أخذه من المضارع الدالّ على الاستمرار ، وأشار بقوله على الحالات إلى أنّ الدوام ليس حقيقيا ، ولذا قال الزمخشريّ في أغلب أحوالهم وقوله : قائمين يحتمل أنه إشارة إلى أنّ قياما جمع قائم وقعودا جمع قاعد فإنهما ورد أجمعين كما صرحوا به ويحتمل أنها مصدران مؤوّلان بما ذكر وقوله : ( ومضطجعين ) تفسير لمعنى الجارّ والمجرور أو لمتعلقه الخاص وقوله : ( من أحب الخ ) حديث مخرّج صحيح . قوله : ( وقيل معناه يصلون على الهيئات الثلاث الخ ) وقوله : ( فهو حجة ) إن رجع الضمير إلى الحديث فظاهر وإن رجع إلى القول به في الآية فكونه لا ينهض
هامش
( 1 ) ماهية الشيء ومادته .
( 2 ) أخرجه ابن حبان 620 وأبو الشيخ في « أخلاق النبي صلّى اللّه عليه وسلّم » ص 186 من حديث عائشة ، وقواه الشيخ شعيب ، وقال : هو على شرط مسلم .