فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ
بعد عنها ، والزحزحة في الأصل تكرير الزح ، وهو الجذب بعجلة
وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ
بالنجاة ، ونيل المراد والفوز الظفر بالبغية وعن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن باللّه واليوم الآخر ويأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه »
وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا
أي لذاتها وزخارفها
إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ
شبهها بالمتاع الذي يدلس به على المستام ، ويفر حتى يشتريه وهذا لمن آثرها على الآخرة فأمّا من طلب بها لآخرة فهي له متاع بلاغ ، والغرور مصدر أو جمع غار
لَتُبْلَوُنَّ
أي ، واللّه لتختبرنّ
فِي أَمْوالِكُمْ
بتكليف الإنفاق ، وما يصيبها من الآفات
وَأَنْفُسِكُمْ
بالجهاد ، والقتل ، والأسر والجراح وما يرد عليها من المخاوف ، والأمراض والمتاعب
وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً
من هجاء الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، والطعن في الدين ، وإغراء الكفرة على المسلمين أخبرهم بذلك قبل وقوعها ليوطنوا أنفسهم على الصبر والاحتمال ، ويستعدّوا للقائها حتى لا يرهقهم نزولها
وَإِنْ تَصْبِرُوا
على ذلك
وَتَتَّقُوا
مخالفة أمر اللّه سبحانه وتعالى
فَإِنَّ ذلِكَ
يعني الصبر ، والتقوى
مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ
من معزومات الأمور التي يجب العزم عليها أو مما عزم اللّه عليه أي أمر به ، وبالغ فيه والعزم في الأصل ثبات الرأي على الشيء نحو إمضائه
شرح
أيضا إنه قد يقع الجزاء ببعضها في الدنيا وقوله : ( القبر روضة الخ ) « 1 » أخرجه الترمذي عن أبي سعيد الخدري وقال إنه غريب لا يعرف إلا عنه ورده العراقي رحمه اللّه بأنّ الطبراني أخرجه في الأوسط عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أيضا . قوله : ( والزحزة الخ ) لما كان الزح الجذب استعمل في لازمه وهو البعد وكرّر لأنّ بتكراره يحصل البعد ويتحقق ، وقوله : بالنجاة إشارة إلى متعلقه ويحتمل أنه حذف للعموم أي بكل ما يريد ، وذكر دخول الجنة بعده لأنه لا يلزم من البعد عن النار دخول الجنة وهو ظاهر والحديث المذكور أخرجه مسلم « 2 » وضمير يأتي راجع لمن ، وفي الأساس أتى إليه إحسانا إذا فعله أي يحسن إلى الناس بما يحب أن يحسن به إليه . قوله :
( شبهها بالمتاع إلى آخره ) المتاع ما يتمتع وينتفع به مما يباع ويشترى والمستام بمعنى المشتري ، والتدليس قريب من التلبيس مأخوذ من الغرور لأنه ما يفرّ به ، وبلاغ بمعنى تبليغ وإيصال إلى الآخرة . قوله : ( أي واللّه لتختبرنّ الخ ) يعني اللام جواب القسم والابتلاء الاختبار والامتحان ، وهو تمثيل كما مرّ ، وقوله : لا يرهقهم أي لا يسوءهم . قوله : ( من معزومات الأمور ) قال النحرير : إن العزم مصدر بمعنى المعزوم أي المعزوم عليه يقال عزمت على الأمر وأعزمت ولم
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي 2460 والديلمي 4282 من حديث أبي سعيد ، وإسناده ضعيف لضعف عبيد اللّه بن الوليد الوصافي ، وبه أعله المنذري في « ترغيبه » 4 / 238 وأخرجه الطبراني في « الأوسط » ما في « المجمع » 3 / 46 وقال الهيثمي : محمد بن أيوب ، وهو ضعيف . وهذا يشهد لما قبله ، وفي الباب أحاديث تعضده .
( 2 ) أخرجه مسلم 1844 من حديث عبد اللّه بن عمرو بن العاص .