الْحَرِيقِ
أي وننتقم منهم بأن نقول لهم ذوقوا العذاب المحرف وفيه مبالغات في الوعيد ، والذوق إدراك الطعوم وعلى الاتساع يستعمل لإدراك سائر المحسوسات ، والحالات وذكره هاهنا لأن العذاب مرتب على قولهم الناشئ عن البخل ، والتهالك على المال ، وغالب حاجة الإنسان إليه لتحصيل المطاعم ، ومعظم بخله به للخوف من فقدانه ، ولذلك كثر ذكر الأكل مع المال .
ذلِكَ
إشارة إلى العذاب
بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ
من قتل الأنبياء ، وقولهم هذا وسائر معاصيهم عبر بالأيدي عن الأنفس لأنّ أكثر أعمالها بهنّ
وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
عطف على ما قدّمت ، وسببيته للعذاب من حيث إنّ نفي الظلم يستلزم العدل المقتضي إثابة المحسن ، ومعاقبة المسئ
الَّذِينَ قالُوا
هم كعب بن الأشرف ،
شرح
أسلافهم . قوله : ( وننتقم منهم الخ ) الباء في بأن نقول كباء كتبت بالقلم أي ننتقم منهم بواسطة هذا القول الذي لا يقال إلا وقد وجد العذاب ، قال الزجاج رحمه اللّه : ذق كلمة تقال لمن أيس من العفو أي ذق ما أنت فيه فلست بمتخلص منه ، وقوله : العذاب المحرق إشارة إلى أنه من الإضافة البيانية أي العذاب الذي هو المحرق لأن المعذب اللّه لا الحريق أو الإضافة للسبب لتنزيله منزلة الفاعل . قوله : ( وفيه مبالغات في الوعيد ) أي في نقول ذوقوا عذاب الحريق بذكر العذاب والحريق والذوق المنبئ عن اليأس كما مرّ ، والقول للتشفي المنبئ عن كمال الغيظ والغضب ، وقيل في قوله :لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُإلى هنا لأنّ السماع كناية عن العقاب العظيم وجعل ما قالوه عديلا لقتل الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام وحفظه بالكتابة وإسناده لذاته وتأكيده بالسين . قوله : ( والذوق إدراك الطعوم الخ ) قال الراغب : الذوق وجود الطعم بالفم وأصله فيما يقلّ تناوله دون ما يكثر فإنه يقال له أكل يقال فلان ذاق كذا وأنا أكلته أي خبرته أكثر مما خبره اه ثم اتسع فيه لإدراك سائر المحسوسات والحالات واستعمل في العذاب الشديد لأنّ الذوق يكون لأجل الأكل فهو المبالغة فيه أن معناه إن ما أنتم فيه من العذاب والهوان يعقبه ما هو أشدّ وأدهى ، ثم ذكر المصنف رحمه اللّه مناسبة ذكره هنا بأنه نشا من حب المال الذي أعظم مصارفه وأدومها المأكل مع تناسب التوسع في الذوق والأيدي . قوله : ( إشارة إلى العذاب الخ ) أي ذلك العقاب والعذاب المحقق حتى كأنه محسوس بسبب أعمالكم التي قدّمتموها وبسبب عدله المقتضي له ، والإتيان بصيغة المبالغة سيأتي تحقيقه في موضع آخر وتقديم الأيدي عملها لأنّ من يعمل شيئا يقدّمه ، فجعله في الكشاف عبارة عن جميع الأعمال التي أكثرها أو كثير منها يزاول باليد على طريق التغليب فيما قدّمت بلا تجوّز في اليد ، والمصنف رحمه اللّه جعل التجوز فيها من قبيل التعبير عن الكل بالجزء الذي مد أرجل العمل عليه ، وبعض الناس لم يعرفه ففسر بما رأينا تركه خيرا من ذكره قيل ، ولقوله : ظلام للعبيد توجيه آخر غير ما ذكره المصنف رحمه اللّه يدرك بحدة بصر البلاغة ، وهو الإشارة إلى أنهم استحقوا العذاب بحيث لو لم يعذبهم كان كالمانع لحقهم وأورد عليه أنه مخالف للمذهب الحق من أنه المالك الحقيقي ،