على المدح أو مبتدأ خبره
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ
بجملته ومن للبيان ، والمقصود من ذكر الوصفين المدح ، والتعليل لا التقييد لأن المستجبين كلهم محسنون متقون روي أنّ أبا سفيان وأصحابه لما رجعوا فبلغوا الروحاء ندموا وأوهموا بالرجوع فبلغ ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فندب أصحابه للخروج في طلبه وقال : « لا يخرجن معنا إلا من حضر يومنا بالأمس » فخرج عليه الصلاة والسّلام مع جماعة حتى بلغوا حمراء الأسد وهي على ثمانية أميال من المدينة ، وكان بأصحابه القرح فتحاملوا على أنفسهم حتى لا يفوتهم الأجر وألقى اللّه الرعب في قلوب المشركين فذهبوا فنزلت
الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ
يعني الركب الذين استقبلهم من عبد قيس أو نعيم بن مسعود الأشجعي وأطلق عليه الناس لأنه من جنسه كما يقال فلان يركب الخيل ، وماله إلا فرس واحد أو لأنه انضم إليه ناس من المدينة ، وأذاعوا كلامه
إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ
يعني أبا سفيان ، وأصحابه روي أنه نادى عند انصرافه من أحد يا محمد موعدنا موسم بدر لقابل إن شئت فقال عليه الصلاة والسّلام :
« إن شاء اللّه تعالى » فلما كان القابل خرج في أهل مكة حتى نزل بمرّ الظهران فأنزل اللّه الرعب في قلبه ، وبدا له أن يرجع فمرّ به ركب من عبد قيس يريدون المدينة للميرة فشرط لهم حمل بعير من زبيب إن ثبطوا المسلمين ، وقيل لقي نعيم بن مسعود وقد قدم معتمرا فسأله ذلك والتزم له عشرا من الإبل فخرج نعيم فوجد المسلمين يتجهزون فقال لهم أتوكم
شرح
ولا يثمر ، وهو من المسائل المبينة في الأصول ووجه دلالة النظم عليه ظاهر . قوله : ( خبره للذين الخ ) يعني أجر مبتدأ مؤخر والجار والمجرور خبره والجملة خبر المبتدأ الأوّل ، أو الجار والمجرور خبر وأجر فاعله ومن بيانية وفيه تجريد ومبالغة كما تقول لي منك عالم وإنما حمل عليه لأنهم كلهم محسنون متقون ، والروحاء براء مفتوحة وواو ساكنة وحاء ومدّ موضع بين مكة والمدينة وقوله : فندب أي دعا وقوله : يومنا أي وقعتنا وأيام العرب وقائعهم ، وحمراء بالمدّ مضاف إلى الأسد اسم موضع على ثمانية أميال من المدينة وليست بدرا الصغرى لأنّ هذه في وقعة أحد وبدر الصغرى بعد بسنة ، وقوله : وكان بأصحابه القرح يعني جراحات من حرب أحد ، ومعنى تحاملوا على أنفسهم تكلفوا حمل المشقة عليها وكان المشركون هموا بالرجوع إلى المدينة فلما نهض المسلمون خلفهم خافوا وذهبوا . قوله : ( يعني أي بالناس الركب الخ ) فالناس الثاني غير الأوّل وأل فيهما للعهد لكن الناس الأول إن كان الركب فظاهر لأنهم جمع وإن كان نعيما فأطلق عليه ذلك كما يطلق الجمع واسم الجمع المحلى بالألف واللام الجنسية على الواحد منه مجازا كما صرحوا به أو باعتبار أنّ المذيعين لكلامه كالقائلين لهم . قوله :
( روي الخ ) « 1 » رواه ابن جرير أو غيره وضمير إنه لأبي سفيان رضي اللّه عنه ومرّ الظهران محل
هامش
( 1 ) أخرجه الطبري 8245 عن السدي مرسلا . وورد من وجوه أخرى بنحوه . انظر الطبري 8243 و 8244 و 8246 و 8247 .