الشهداء في أجواف طير خضر ترد أنها الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل معلقة في ظلّ العرش » ومن أنكر ذلك ولم ير الروح إلا ريحا ، وعرضا قال هم أحياء يوم القيامة ، وإنما وصفوا به في الحال لتحققه ، ودنوّه أو إحياء بالذكر أو بالإيمان وفيها حث على الجهاد ، وترغيب في الشهادة وبعث على ازدياد الطاعة ، وإحماد لمن يتمنى لإخوانه مثل ما أنعم عليه ، وبشرى للمؤمنين بالفلاح
وَيَسْتَبْشِرُونَ
كرره للتوكيد وليعلق به ما هو بيان لقوله :
« أَلَّا خَوْفٌ »
ويجوز أن يكون الأول بحال إخوانهم ، وهذا بحال أنفسهم
بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ
ثوابا لأعمالهم
وَفَضْلٍ
زيادة عليه كقوله سبحانه وتعالى :
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ
[ سورة يونس ، الآية : 26 ] وتنكيرهما للتعظيم
وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ
من جملة المستبشر به عطف على فضل ، وقرأ الكسائي بالكسر على أنه استئناف معترض دال على أنّ ذلك أجر لهم على إيمانهم مشعر بأن من لا إيمان له أعماله محبطة ، وأجوره مضيعة
الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ
صفة للمؤمنين أو نصب
شرح
بها وهي جوهر مدول لذاته أي من غير احتياج إلى هذا البدن لوصفه بعد مفارقته بالتنعم ونحوه ، وأمّا جواز أن يتوقف إدراكه على بدن آخر كما في حديث « 1 » الطير الخضر فلا دليل عليه مع عمومه لأهل العذاب وكونه مدرك لذاته بإضافة مدرك لجمع اللذة بعيد . قوله : ( في أجواف طير خضر الخ ) قيل هو على ظاهره وإنّ أرواح الشهداء أعني نفوسهم التي بها الإدراك ، والتمييز تحل أبدان الطيور المتنعمة في الجنة فتلتذ بذلك أو تتمثل طيورا خضرا ، أو تتعلق بها فيمن جعلها مجرّدة ، وقيل المراد أنها تتعلق بالأفلاك والكواكب فتلتذ بذلك أو تكتسب زيادة كمال ، وهذا يلائم القناديل المعلقة تحت العرش ، ومن أوّل الحديث قصد سدّ باب التناسخ ، ومن هذا الحديث أخذ المثل المشهور النفس خضراء بمعنى أنها تميل لكل شيء وتشتهيه ، ومن أنكر تجرّدها وجعلها عرضا أو الأنفاس أوّل الحياة المذكورة بحياة أخرى أو بالحياة المعنوية وهي بقاء الذكر الحسن وحكم الإيمان وثوابه ، والإحماد من أحمدته وجدته محمودا ، وذلك أنهم مدحوا بأنهم يستبشرون بحصول النعمة والفضل وعدم الحزن واللحوق لمن خلفهم ، والبيان لقوله ألا خوف لأنه بنعمة اللّه وفضله أو الاستبشار الأوّل بدفع المضار ولذا قدّم ، والثاني لوجود المسارّ ، وقوله : عطف على فضل هو قول للنحاة أو على نعمة على الآخر .
قوله : ( على أنه استئناف الخ ) والاعتراض على القول بأنه يكون تذييلا وفي آخر الكلام ، ولا يشترط أن يكون في وسطه ، ولا حاجة إلى تكلف توجيه له أصلا . قوله : ( دال على أنّ ذلك أجر لهم على إيمانهم ) هو مأخوذ من التعليق بالمشتق كما مرّ مرارا وإحباط العمل أن لا يعتدّ به
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود 2520 وأبو يعلى 331 والحاكم 2 / 88 والواحدي 261 وأحمد 1 / 266 من حديث ابن عباس ، وإسناده حسن ، وصححه الحاكم ، ووافقه الذهبي ، وكذا صححه القرطبي في « تفسيره » 4 / 568 ، وله شاهد موقوف أخرجه مسلم 1887 عن ابن مسعود قوله ، ومثله لا يقال بالرأي .