في الغنائم فإن النبوّة تنافي الخيانة يقال غلّ شيئا من المغنم يغلّ غلولا ، وأغلّ إغلالا إذا أخذه في خفية ، والمراد منه إمّا براءة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم عما اتهم به إذ روي أن قطيفة حمراء فقدت يوم بدر فقال بعض المنافقين لعلّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أخذها أو ظن به الرماة يوم أحد حين تركوا المركز للغنيمة وقالوا : نخشى أن يقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من أخذ شيئا فهو له ولا يقسم الغنائم ، وأمّا المبالغة في النهي للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، على ما روي أنه بعث طلائع فغنم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقسم على من معه ، ولم يقسم للطلائع فنزلت فيكون تسمية حرمان بعض المستحقين غلولا تغليظا ، ومبالغة ثانية ، وقرأ نافع وابن عامر وحمزة ، والكسائي ، ويعقوب
شرح
قويا لما في الانتصاف من أنّ هذه الصيغة ترد للامتناع العقلي كثيرا نحو ما كان للّه أن يتخذ من ولد ما كان لكم أن تنبتوا شجرها ، وأمّا إذا كان مبالغة في النهي فهو خبر أجرى مجرى الطلب مبالغة وفي الانتصاف أن هذه الصيغة وردت نهيا في مواضع من التنزيل نحو :ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى[ سورة الأنفال ، الآية : 67 ]ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ[ سورة التوبة ، الآية : 113 ] وهي واردة فيهما لا تختص بأحدهما كما قيل ومنافاة النبوّة للخيانة ظاهرة ، وأصل الغلّ والإغلال الأخذ في خفية ، ولذا استعمل في السرقة ، ثم خص في اللغة بالسرقة من المغنم . قوله : ( والمراد منه إمّا براءة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم عما اتهم به الخ ) وحديث القطيفة أخرجه « 1 » أبو داود والترمذي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما وحسنه وظنّ معطوف على اتهم وفي الكشاف فيه زيادة وهي كما لم يقسم يوم بدر فقال لهم النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ألم أعهد إليكم أن لا تتركوا المركز حتى يأتيكم أمري فقالوا : تركنا بقية إخواننا وقوفا فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : بل ظننتم أنا نغلّ ولا نقسم لكم فنزلت « 2 » وكذا هو في تفسير الواحدي وغيره عن مقاتل وتركه المصنف لما فيه من مخالفة ما سيأتي في الأنفال من قسم غنائم بدر . قوله : ( وأمّا المبالغة في النهي للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم الخ ) والطلائع الجواسيس على العدوّ واحدهم طليعة وقد يطلق على الجماعة أيضا ، والمراد من التغليظ المبالغة في المنع حيث جعله سرقة وهو للتهييج والإلهاب على الترك كما في لئن أشركت ، وفي شرح الكشاف أن لفظة التغليظ قبيحة لأنّ عادة اللّه مع حبيبه صلّى اللّه عليه وسلّم التلطيف لا التغليظ ، وكذا أنكر على النحرير في قوله عدّ أدنى زلة منه غلولا إطلاق الزلة عليه صلّى اللّه عليه وسلّم وإنه مخالف للأدب وقوله : ( ولم يقسم للطلائع ) أي لم يعين لهم قسما ، وقوله : ثانية يعني كما بالغ في النهي بصيغة الخبر المستعمل في الممتنعات كما مرّ بالغ في تسمية الحرمان غلولا ، وقيل النهي عن الحرمان الذي هو أدنى صفة من الغلول نهى عن الغلول بطريق المبالغة والتسمية
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود 3971 والترمذي 309 والطبري 8135 و 8136 و 8137 و 8138 والواحدي 255 عن ابن عباس به ، ومداره على خصيف الجزري ، وهو صدوق لكنه سيئ الحفظ . وورد من وجه آخر عن ابن عباس أخرجه الطبري 8141 لكن سنده منقطع .
( 2 ) ذكره الواحدي في « أسباب النزول » 258 عن الكلبي ومقاتل بدون إسناد . فهو واه .