وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ
وليكشفه ، ويميزه أو يخلصه من الوسواس
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ
بخفياتها قبل إظهارها ، وفيه وعد ووعيد وتنبيه على أنه غني عن الابتلاء ، وإنما فعل ذلك لتمرين المؤمنين ، وإظهار حال المنافقين
إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا
يعني إنّ الذين انهزموا يوم أحد إنما كان السبب في انهزامهم أنّ الشيطان طلب منهم الزلل فأطاعوه ، واقترفوا ذنوبا لمخالفة النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بترك المركز ، والحرص على الغنيمة أو الحياة فمنعوا التأييد ، وقوّة القلب ، وقيل استزلال الشيطان توليهم ، وذلك بسبب ذنوب تقدّمت لهم فإنّ المعاصي يجرّ بعضها بعضا كالطاعة ، وقيل استزلهم بذكر ذنوب سلفت منهم فكرهوا القتل قبل إخلاص التوبة ، والخروج من المظلمة
وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ
لتوبتهم واعتذارهم
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
للذنوب
حَلِيمٌ
لا
شرح
الإظهار وأنّ مثل هذا التركيب متعلق بمعلل معطوف على ما قبله من مجموع الشرطية أو جوابها والظاهر أنه معطوف على أنزل عليكم ، ولا فصل بينهما لأنّ ما بعده إلى هنا من متعلقات المعطوف عليه أو على علة أخرى محذوفة ، وأمّا عطفه على لكيلا فبعيد وتوسط تلك الأمور محتاج إلى نكتة ، وقوله : من الإخلاص والنفاق يدل على أنه عنده معطوف على أنزل وأنه عامّ للطائفتين والزمخشريّ جعله للمؤمنين فقط لأنهم المعتدّ بهم ولأنّ إظهار حالهم مظهر لغيرهم ، فما قيل : إنه يدل على أنّ الخطاب في هذه الآية للمؤمنين والمنافقين معا فإنّ إظهار الإخلاص يناسب المؤمنين وإظهار النفاق يناسب المنافقين وسوق الآية على أنه للمنافقين لأنهم القائلون لو كان لنا الخ ، وصاحب الكشاف جعله للمؤمنين والاعتراض عليه أقوى ليس له وجه مع كون السياق على أنّ الخطاب للمنافقين لا وجه له مع قوله وليمحص ، وقد اعترف به القائل كما سيأتي وهو الذي حمل الزمخشريّ على تخصيصه بالمؤمنين فلله دره . قوله : ( وليكشفه ويميزه الخ ) قد مرّ معنى التمحيص ، وإسناده في النظم سابقا للمؤمنين يقتضي ترجيح الوجه الثاني الذي اقتصر عليه الزمخشريّ ، وعلى التعميم يفسر بالتمييز والمراد بما في قلوبهم الاعتقاد ولذا قال ما في قلوبكم ولم يقل قلوبكم ولا يرد عليه أنّ الخطاب للمنافقين وهو لا يناسب التخليص من الوسواس كما مر ، وذات الصدور ما في القلوب التي فيها جعلها لتمكنها منها كأنها مالكة لها وقيده بقوله : قبل إظهارها لدلالة صيغة المبالغة عليه إذ بعد إبدائها لا تكون كذلك وجعله وعدا ووعيدا بناء على العموم الذي ارتضاه والعالم بالخفيات لا يحتاج إلى الامتحان والتجربة فهذا دليل على أنه تمثيل كما مرّ قوله : ( يعني أنّ الذين انهزموا يوم أحد الخ ) في الكشاف استزلهم طلب منهم الزال ودعاهم إليه ببعض ما كسبوا من ذنوبهم أي إن المنهزمين بأحد كان السبب في توليهم أنهم كانوا أطاعوا الشيطان فاقترفوا ذنوبا فلذلك منعهم التأييد وتقوية القلوب حتى تولوا يعني أن التولي غير الاستزلال ، وقيل استزلال الشيطان إياهم هو التولي وإنما دعاهم إليه بذنوب تقدّمت لهم لأنّ الذنب يجرّ الذنب كما أنّ الطاعة تجرّ الطاعة .