والمحكم من عنده
وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ
مدح للراسخين بجودة الذهن ، وحسن النظر وإشارة إلى ما استعدّوا به للاهتداء إلى تأويله وهو تجرّد العقل عن غواشي الحس ، واتصال الآية بما قبلها من حيث إنها في تصوير الروح بالعلم ، وتربيته ، وما قبلها في تصوير الجسد وتسويته أو أنها جواب عن تشبت النصارى بنحو قوله تعالى :
وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ
[ سورة النساء ، الآية : 171 ] كما أنه جواب قولهم لا أب له غير اللّه فتعين أن يكون هو أبا له بأنه مصوّرا لأجنة كيف يشاء فيصوّر من نطفة أب ، ومن غيرها ، وبأنه صوّره في الرحم ، والمصوّر لا يكون أب المصوّر
رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا
من مقال الراسخين ، وقيل :
استئناف ، والمعنى لا تزغ قلوبنا عن نهج الحق إلى اتباع المتشابه بتأويل لا ترتضيه قال عليه
شرح
عنده ففي قول المصنف رحمه اللّه أو بما دلّ القاطع تأمّل . قوله : ( استئناف موضح الخ ) والنحاة يقدّرون له مبتدأ دائما أي هم يقولون وقد قيل : إنه لا حاجة إليه ولم يعرف وجه التزامهم لذلك فلينظر ، وقوله : موضح لحال الراسخين إشارة إلى وجه ترك العطف فيه ، وهذا القول ، وإن لم يخص الراسخين لكن فيه تعريض بأن مقتضى الإيمان به أن لا يسلك فيه طريقا لا يليق من تأويله على ما مرّ فكأنّ غيرهم ليس بمؤمن ، وليس فيه أنه يقتضي أنّ الراسخين يعلمون جميع المتشابه مع أنّ منه ما استأثر اللّه بعلمه أي انفرد واستبدّ به مع أن الواصلين لا يفسرون المتشابه بما يشمله بل بما يقابله فتأمل ، وقوله : إن جعلته مبتدأ أي الراسخون ، وقوله : كل من المتشابه هذا ظاهر إن رجع ضمير به إلى المتشابه وإن رجع إلى الكتاب فله وجه أيضا لأنّ مآله كل من أجزاء الكتاب ، وهي لا تخلو عنهما . قوله : ( مدح للراسخين الخ ) فهو معطوف على جملة يقولون لا من جملة المقول فهو حينئذ من وضع المظهر موضع المضمر أي الأهم ودلالته على ما ذكر لحصر التذكر والتدبر فيهم وتجرّد عقولهم عما يغشاها من الحس المكدّر لها من التعبير باللب إذ هو الخالص ، وخلوصه عما ذكر كما مرّ تفسيره به . قوله : ( واتصال الآية الخ ) جعل العلم تصويرا وتربية للروح على ضرب من التمثيل لأنّ به كمالها وشقاوتها وسعادته فتبقى به في النعيم وتفارقه بعدمه كما أنّ الجسد يبقى بالروح ويفنى بمفارقتها ، ولا يخفى أنّ كون كل منهما تصويرا وتكميلا في الجملة يناسب ذكره معه ، ولما بين التصوير الحقيقيّ الجسماني والذي ليس هو كذلك من الروحاني من التفاوت والتباين ترك العطف وقوله : ( أو أنه جواب الخ ) أي هذه الآية رد عليهم في فهمهم ، من روح اللّه وكلمته ما فهموه ، وما قبلها أيضا ردّ عليهم في إنه ابن اللّه لأنه لا أب له بأن من يقدر على هذا يقدر على التصوير من غير نطفة ولأنّ المصوّر لا يكون أب المصوّر كما مرّ ، وقيل : المناسبة إنّ في المتشابه خفاء كما أنّ تصوير ما في الأرحام كذلك . قوله : ( من مقال الراسخين الخ ) وقيل : إنه تعليم للعباد أي قولوا إذا مرّ بكم متشابهرَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَناعن الإيمان بأنه حق أو عن تأويله بما ترتضيه بعد إذ هديتنا بإنزاله علينا وما ذكره المصنف رحمه اللّه أقرب ، وما ذكره هذا القائل مآله إلى الوجه