لأنه يجب عليه تركه ، وإنكاره فلا يسقط بترك أحدهما وجوب الآخر
وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا
كاليهود ، والنصارى اختلفوا في التوحيد ، والتنزيه ، وأحوال الآخرة على ما عرفت
مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ
الآيات ، والحجج المبينة للحق الموجبة للاتفاق عليه ، والأظهر أن النهي فيه مخصوص بالتفرق في الأصول دون الفروع لقوله عليه الصلاة والسّلام : « اختلاف أمتي رحمة » لقوله عليه الصلاة والسّلام : « من اجتهد فأصاب فله أجران ،
شرح
تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ[ سورة الصف ، الآية : 2 ] يدل على خلافه لأنه مؤوّل بأنّ المراد نهيه عن عدم الفعل لا عن القول لأنّ الواجب عليه نهى كل فاعل وترك نهي بعض وهو نفسه لا يسقط عنه وجوب نهي الباقي ولأنه نهى عن الكذب لا عن النهي مع عدم الفعل المتبادر منه . قوله :
( والأظهر أنّ النهي فيه مخصوص الخ ) التخصيص المذكور مأخوذ من التشبيه وقيل إنه شامل للأصول والفروع لما نرى من اختلاف أهل السنة فيهما كالماتريديّ والأشعري ، وإنما النهي عن الاختلاف فيما ورد فيه نص من الشارع أو أجمع عليه . قوله : ( اختلاف أمتي رحمة ) قال السيوطيّ رحمه اللّه : عزاه الزركشيّ في الأحاديث المشتهرة إلى كتاب الحجة لنصر المقدسي بدون سند ، ورواه الطبراني والبيهقي في المدخل بسند ضعيف عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « مهما أوتيتم من كتاب اللّه فالعمل به لا عذر لأحد في تركه فإن لم يكن في كتاب اللّه فسنة مني ماضية فإن لم يكن سنة مني فما قاله أصحابي إنّ أصحابي بمنزلة النجوم في السماء فأيما أخذتم به اهتديتم واختلاف أصحابي لكم رحمة » « 1 » وأخرجه ابن سعد في طبقاته بلفظ كان اختلاف أصحاب محمد صلّى اللّه عليه وسلّم رحمة للناس ولفظ البيهقيّ لعباد اللّه ، وروي عن عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه ما سرّني لو أنّ أصحاب محمد صلّى اللّه عليه وسلّم لم يختلفوا لأنهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصة ومنه تعلم أنّ المراد الاختلاف في الدين مطلقا لكن المراد اختلاف الصحابة ، والمجتهدين المعتدّ بهم وعلماء الدين الذين ليسوا بمبتدعين هذا هو الحق الذي لا محيد عنه ، فما قيل « 2 » : إنه لا يعرف له سند صحيح ولا ضعيف ولا موضوع وإنما وقع في كلام بعضهم فظنّ حديثا وفسر باختلاف الهمم والحرف وإلا فهو مخالف لنصوص الآيات
هامش
( 1 ) ضعيف جدا . أخرجه الديلمي في « الفردوس » 6497 وفي « زهر الفردوس » 4 / 87 من حديث ابن عباس ، وإسناده ضعيف جدا . فيه سليمان بن أبي كريمة ، وهو ضعيف ، وشيخه جويبر ، متروك متهم ، والضحاك لم يلق ابن عباس ، والظاهر أنه موضوع ، والحمل فيه على جويبر ، ومن هذا الوجه رواه البيهقي في « المدخل » والطبراني كما في « المقاصد الحسنة » 39 وضعفه السخاوي جدا . وقال ابن حزم في « الإحكام » 5 / 64 ليس بحديث اه وحسبه أن يكون من كلام عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه . والمراد بذلك الاختلاف في الفروع ، وذلك عند تعارض الأدلة ، أو عدم وجود دليل أصلا . وأما الاختلاف في الأصول « العقائد » وما يؤدي إلى التنازع ، فهو ليس من الرحمة وإنما هو من العذاب بل من الهلاك .
( 2 ) الحديث الذي قال العلماء لا أصل له ، ولا يعرف له إسناد صحيح ولا ضعيف ولا موضوع هو الوارد بلفظ « اختلاف أمتي رحمة » فهذا لا أصل له البتة .