بقدوم ولدي فهو حرّ فأخبروه فرادى عتق أوّلهم ولو قال من أخبرني عتقوا جميعا وأمّا قوله تعالى :
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ
فعلى التهكم أو على طريقة قوله :
شرح
الإمام مالك رحمه اللّه تعالى فقال : لو قال من أخبرني عتق الأوّل فإنّ المراد بالإخبار البشارة كما يشهد به العرف ، والجمهور استدلوا بأنّ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال : « من أراد أن يقرأ القرآن غضا طريا كما أنزل فليقرأه بقراءة ابن أمّ عبد » « 1 » فابتدر أبو بكر وعمر رضي اللّه عنهما ليخبراه بذلك فسبق أبو بكر رضي اللّه عنه وكان سباقا إلى كل خير فأخبره بذلك ثم أخبره عمر رضي اللّه عنه فكان رضي اللّه عنه يقول بشرني أبو بكر وأخبرني عمر فدلّ على الفرق بينهما لغة وعرفا . قوله :
( وأمّا قوله تعالى :فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ[ سورة آل عمران ، الآية : 21 ] الخ ) أي هو من استعمال ما وضع للخبر السارّ في الخبر المورث للألم والحزن إن لم نقل بأنه موضوع لمطلق الخبر كما مرّ ، وهو على الوجه الأوّل في كلام المصنف رحمه اللّه استعير فيه أحد الضدين وهو التبشير للآخر وهو الوعيد والإنذار والعذاب الأليم قرينة لها ، وعلى الثاني وفيه تسكب العبرات هو نوع من خلاف مقتضى الظاهر يقال له التنويع وهو ادّعاء أن للمسمى نوعين متعارفا وغير متعارف على طريق التخييل ويجري في مواطن شتى منها التشبيه كقوله :نحن قوم ملحن في زيّ ناس * فوق طير لها شخوص الجمالومنها أن ينزل ما يقع في موقع شيء بدلا عنه منزلته بلا تشبيه ولا استعارة كما في الاستثناء المنقطع وما يضاهيه سواء كان بطريق الحمل كما في قوله :تحية بينهم ضرب وجيعأو بدونه كما في قوله : فأعتبوا بالصيلم « 2 » وحيث أطلق التنويع فالمراد به هذا وقد جعلوا مثاله أساسا وقاعدة له ، وليس هذا من المجاز لذكر طرفيه مرادا بهما حقيقتهما ولا تشبيها لأنّ التشبيه يعكس معناه ويفسده ومنه يعلم أنه لا يصح فيه الاستعارة أيضا لابتنائها على التشبيه وقد صرّح به الشيخ في دلائل الإعجاز فقال : اعلم أنه لا يجوز أن يكون سبيل قوله :لعاب الأفاعي القاتلات لعابهسبيل قولهم عتابه السيف وذلك لأنّ المعنى في بيت أبي تمام أنك تشبه شيئا بشيء لجامع بينهما في وصف وليس المعنى في عتابه السيف على أنك تشبه عتابه بالسيف ولك أن تزعم أنه يجعل السيف بدلا من العتاب ألا ترى أنه يصح أن تقول مداد قلمه قاتل كسم الأفاعي
هامش
( 1 ) أخرجه الحاكم في « المستدرك » 2 / 227 - 3 / 318 من حديث عمر بهذا اللفظ ، وصححه الحاكم ، ووافقه الذهبي . وأخرجه أحمد 2 / 446 ، وأبو يعلى 6106 ، والبزار 2682 ، كلهم من حديث أبي هريرة بلفظ : « من أحب أن يقرأ القرآن غريضا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أمّ عبد » . قال الهيثمي في المجمع 9 / 288 ، وفيه جرير بن أيوب البجلي ، وهو متروك . والقريض : الطري .
( 2 ) الصّيلم : السيف .